كنت أعرف مجدي من قبل أن أراه في دكان الحلاق الذي تعرفت عليه مؤخرا.أعرف أنه طالب في كلية التجارة، وأنه متقدم جدا في الدراسة ؛ لدرجة أنه يلخص الدروس ويبيعها للطلبة ليستطيع أن ينفق على نفسه ، فقد كان والده - الذي يبدو أقل من عمره بكثير - لا يعطيه إلا القليل وبصعوبة شديدة .
ماتت أم مجدي منذ سنوات قليلة وتركته هو وأخته خديجة ،وتركهما الرجل أيضا ، هو يأتي إلى البيت في آخر الليل، لا يحدث أحدا ، ينام دون كلمة واحدة لأحد . بعد أن يخرج من عمله؛ يذهب إلى نادي الاتحاد السكندري، يساعد في تدريب الأشبال، وأحيانا يساعد في المسائل الإدارية.ومجدي غير راضي عن تصرفات والده، فهي لا تليق برجل في مثل هذا العمر، لكن الرجل كان رده قاسيا على اعتراضه ، فقد أمسك برقبة ابنه وطرده من البيت . وظل لدي زميل له في الكلية لشهور عديدة ، إلى أن ذهبت خديجة – أخته – إليه وأعادته إلى البيت ، وعندما عاد الرجل متأخرا – ككل ليلة . ورآه أمامه، لم يحييه ، ولم يعترض على عودته ، وعادت الأشياء كما كانت .
الحي كله يذكر نوادر مجدي بكثير من الدهشة والضحك . يسير أمامنا في عصبية، يدخل بيته القديم ، لا يحيي أحد وكأنه لا يرانا. ومن أشهر نوادره ما فعله مع صابر المسيحي الذي كان يقف خلف البيت ليبيع القصب ،فيجتمع أولاد الحي حوله، يلعبون بالقصب ، من يستطيع كسره على ركبته أو قصبة رجله من أول مرة ، أو يضعون قطعة القصب على الأرض ويرشقون العملة المعدنية فيها ، ثم يمصون القصب بعد ذلك ، كانوا يحدثون جلبة خلف نافذة حجرته التي يذاكر فيها .
كان يجلس فوق مكتبه يذاكر، وأخته في الصالة تحيك الملابس، ووالده في نادي الاتحاد السكندري ، حيث يذهب كل يوم. وإذ بأوراق أعواد القصب تتحرك خلف النافذة الكبيرة ذات الشراعة العالية. فترفرف في الهواء وتصنع خيالات مع ضوء المصباح في الحجرة.وخرج مجدي من باب الشقة ببجامته حافيا ، وجري خلف صابر المسيحي ،ثم عاد إلى البيت ، قال في صوت مرتفع : زعازيع القصب حاتجنني من وراء الشباك .
وشاهدته في سينما ركس، يضع ساقيه الطويلتين فوق مسند المقعد الأمامي وهو يتحدث عن السينما ويقول : إن صلاح ذو الفقار قد فرضوه علينا في فيلم " عيون سهرانة " .
وعلمت بعد ذلك أنه تخرج في كلية التجارة بتقدير ممتاز ، وعمل في الجهاز المركزي للحسابات ، يفتش الآن على حسابات الهيئات الحكومية والشركات .
رأيته في دكان الحلاق– صديقه – ، حدثته في استحياء عن السينما ، فامتحنني ، سألني عن أول فيلم أخرجه كمال الشيخ وأول فيلم أخرجه صلاح أبوسيف.. الخ . وبعد أن أقتنع بأنني أصلح للحديث معه، سألني: من أهم ممثل في تاريخ السينما ؟ قلت : زكي رستم . فقال في استخفاف: لا ، فريد شوقي . وأخذ يحدثني عن فريد شوقي بحماس شديد . وعلمت بعد ذلك أنه أستطاع الوصول إلى فريد شوقي، وعندما وجده مجنونا به رحب به وقربه منه وأنه الآن يساعده في حساباته؛ خاصة مع الضرائب ، وكان فريد شوقي يقدمه لمعارفه على أنه مجنون فريد شوقي.
وحكى لي عن اكتشافه لسرقة كبيرة في سنترال مرسى مطروح، فأبلغ عن ذلك،وبالتنسيق مع الشرطة عينوا أحد رجال المباحث ساعيا في السنترال،وقام بكشف اللصوص ، وطريقة سرقتهم، وقد هدده بعضهم بالقتل ، وطاردوه، لكنه لم يخف منهم .
وقد تحدث عن ذلك في جلسة مع فريد شوقي ، واتفقوا أن يسجلوا ما حدث في مسلسل تليفزيوني ، وأن يقوم فريد شوقي بدور رجل المباحث الذي عمل ساعيا لكشف المخطط، لكن فريد شوقي مات فجأة ، ولم يحدث ما أرادوا .
قال لي الحلاق في غيابه. بأنهما كانا يدخلان السينما مع مجموعة من شباب الحي ، وكان في كل مرة يتشاجر مع الناس ، وتسبب مرة في أنهم أخذوا علقة ساخنة من عمال مطعم مشهور في المنشية اسمه أبو غريب.
كنا نجلس في دكان الحلاق أنا ومجدي وصديقي حسن الذي يعمل في مصنع ليفي للسجاد – التابع الآن لمصنع سجاد دمنهور – أحسست بأن مجدي مازال يعاني مما حدث له في حياته، موت أمه وهو صغير ، واهتمام والده بالكرة في نادي الاتحاد السكندري ، وعدم اهتمامه به وبأخته خديجة التي تزوجت ، وتعيش بعيدا عن الإسكندرية، مازال مجدي يشكو من الوحدة، فيأتي من بيته في سبورتنج ليجالسنا في دكان الحلاق.
وزار مجدي حسن في مصنع ليفي ،فأعجب بفتاة هناك وخطبها . وكان يتحدث عنها بحماس شديد، ويذكر مزاياها ، وكنت أسمع دون تعليق، لكن حسنا كان يناقشة ويعارضه أحيانا في مواضيع تتعلق بالخطوبة ،وصديقنا الحلاق منشغل بالحلاقة للزبون فلا يعلق بشيء. لكنه في مرة كان يحلق لمجدي شعره ، وأراد أن يتحدث ويسلي الزبون ، فسأله عن فتاته، وأبدى رأيه في المواضيع التي سبق أن سمعها ومجدي وحسن يتناقشان فيها . فغضب مجدي، وترك الفتاة ، فكيف يتدخل حلاق في شئونه الخاصة. واختفي ، لم يعد يذهب إلى دكان الحلاق الذي كان صديقه .وفوجئت به رئيس مجموعة الجهاز المركزي المحاسبات التي تراجع الحسابات في شركتنا .وجلست معه نتذكر صديقنا الحلاق الذي مات .
قصة : مصطفى نصر