حينما مر الفزع على قسمات وجهها.. تلكأ فى عينيها.. هوى إلى شفتيها صارخا :
ـ حا تشرب م المية دى ؟!
لم أرد.. تأرجحت على ابتسامة هامدة.. بدا كل شىء تافهاً ضئيلاً.. ينفلت ـ عبر نظراتها المحذرة ـ فى نفق مظلم طويل :
ـ حا تشرب م المية دى ؟!
مثل كل يوم..نزلت قبل ميعاد العمل بساعة كاملة.. أعبر شارعين فقط.. هما ما يفصلان بيتى عن مبنى المصلحة.. أمسح مكتبى.. اضبط الراديو على إذاعة القرآن الكريم.. أتلقى ـ على فترات متفاوتة ـ تحيات زملائى الوافدين .
أول ما تهل "مدام فيفى" آخذ منها زجاجة المياه .
"صدق الله العظيم" وأبدل فيشه الراديو بفيش الغلاية.
ترص فى الحال ـ إلى جوار كوبى ـ أربعة أكواب .
أنقل كوبى إلى يسار المكتب.. أخرج اسفنجة صغيرة من الدرج.. أطوق بها الزجاج .
"يخرب بيت المجارى.. كنا بنشرب الشاى م البوفيه و مستريحين "
تنقبض الحجرة من دخان السجائر.. تسعل "مدام فيفى" دون تبرم.. أفتح ضلفة الشباك المواربة.. يهجم علينا الذباب والناموس.. يزيد "ناجى" من سرعة المروحة.. أضبط المؤشر على إذاعة الأغانى.. انكمش فى الأوراق أمامى.. أرنو إلى النتيجة الصغيرة.. المحبوسة تحت الزجاج "النهارده كام" .
رشفة شاى.. نفس سيجارة.. عيناى فى الأوراق.. أذناى.. واحدة مع الراديو.. و الثانية تتابع أحاديث صباحية.. لا أشارك فيها.. فالكلام سينجرف مثل كل يوم إلى المنطقة الزفت .. الشوارع المبقورة الغارقة فى المياه الآسنة.. ماء الشرب المخلوط بمياه المجارى.. وزفرات الأسى عن مصير قاطنى المكان.. وينتهى الكلام بلعن أبوا من اختار هذا الموقع لفرع المصلحة.
يسود الملل.. اثنان يشتريان الإفطار.. واحد يشتغل .. الآخر يضغط على جبهته من الصداع .. و المدام تجرب رنة جديدة فى الموبايل.
نفطر ونبل ريقنا.أنزع "فيشه" الراديو.. أضع "فيشه" الغلاية.. اثنان يشتغلا بجد.. واحد يشد من الثانى الجرنال.. وواحد يحكى مع المدام بصوت واطئ.. ترن ضحكاتها.
ويمر الوقت كيفما يكون.. تفرغ زجاجة المياه.. ترتاح "فيشه" الراديو من تنقلها.. يجف حلقى.. أدور على مكاتب المصلحة؛ بحثا على رشفة ماء.. لا أجد.
انسحب بهدوء.. أملأ الزجاجة من ماء المصلحة.. أرفعها إلى فمى..تند عنها صرخة آسيانة.. ألقت بى فى دائرة من الضوء المجنون :
ـ حرام عليك.. حا تشرب من المية دى ؟!
أبعدت الزجاجة عن فمى.. علقتها فى يدى.. بمحاذاة رأسى.. نظرت فى عينيها.. كنت فى واحدة على وشك القفز من فوق عمارة شاهقة.. وفى العين الأخرى بائساً سيحتضن قطار.
المياه زرقاء بلون الزجاجة.. أما عن رائحتها فلا اعرف.. أنفى تمرد منذ زمن.. لسانى ألف طعم المالح والمر.. مشروع المجارى بدأ منذ خمس سنوات.. ولم ينته.. كسّروا مواسير المياه أثناء الحفر.. واختلط ماء الشرب بمياه المجارى.
تمعنت فى الزجاجة..
الآن !
الآن فقط!.. سأموت ؟!
سأنتحر أن شربت !
تركت مكتبها إلى المكتب المقابل.. لتجلس أمام المروحة.. صوتها الرقيق.. يحن.. يفزع.. يدثره آسى لذيذ.. استعذبه.. راقنى هلعها المتوجس... أشعلت سيجارة.. أشعل الجميع.. سعلت "فيفى".. فتح زميل الباب.. أحدث تياراً شديداً.. أطار الأوراق من على المكاتب.. أغلقت النافذة.. صمتت آلات الحفر.
صرت وحيداً.. أباشر صخباً ملهوفاً لوأد الصمت.. ترصدنى الزجاجة المنتصبة أمامى على المكتب.. تمنحنى فكرة أنفذها فى التو.. قبل رجوع "فيفى" من مجلس النميمة اليومى.. المنعقد الآن فى المكتب المجاور .. أبدل بسرعة مياه زجاجتها بماء المصلحة.. وأشرب دون تحذير من أحد..
بعدما رجعت إلى مكتبها.. انشغلت بضبط ماكياجها فى مرآتها الصغيرة.. شكرتها وهى تعزم علىّ بكوب من الماء النظيف.. رفعت الزجاجة وبدأت تشرب بتمهل وتلذذ.. أنزلت الزجاجة فجأة وسألت:
ـ بتضحك على إيه ؟
هززت رأسى فى صمت.. فعادت إلى إكمال الشرب.
يحيى فضل سليم - الإسكندرية