
في حفل جائزة الصحافة العربية يوم 25 إبريل عام 2005، التقيت للمرة الأولى بالكاتب الكبير الراحل رجاء النقاش، وكان ذلك بمناسبة اختياره ليكون شخصية العام الإعلامية، وتكريمه من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس مجلس الوزراء، والشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، وقد شرفت في ذلك العام بحصولي على جائزة الصحافة العربية عن أفضل حوار صحفي، واعتبرت وقتها وقوفي على منصة واحدة لإستلام الجائزة مع الكاتب الكبير رجاء النقاش تكريماً آخر لي، لم أكن اتوقعه، فهذا من كنت أقرأ له كرمز من رموز الكلمة والقلم، ولم يداعب خيالي أن ألتقيه، فكان يكفيني فقط أن أعيش وسط مؤلفاته ومقالاته بداية من أبو القاسم الشابي شاعر الحب والثورة، وعباس العقاد بين اليمين واليسار، ومحمود درويش شاعر الأرض المحتلة، وعباقرة ومجانين، وأدباء ومواقف، وفي حب نجيب محفوظ، والإنعزاليون في مصر، والإمام المراغي حياته وفكره، ونساء شكسبير، ولغز أم كلثوم ، وعشرات المؤلفات التي أصبحت أحفظها عن ظهر قلب، وكنت أقرأه أيضاً عبر حوار صحفي نادر معه، يتحدث فيه عن نشأته وبداياته كصحفي، وبصفة خاصة عندما يتحدث عن قريته الريفية«القباب الصغرى» التي ولد فيها بمحافظة المنصورة، حيث كان والده مدرساً كبيراً إلزامياً في هذه القرية،وكان شاعراً كبيراً وله ديوان غير مطبوع هو«ألحان الفجر» كما أن له مذكرات شخصية لم يكملها، وفيها تصوير لأجواء الحياة في القرية التي ولد فيها، ولرجاء النقاش سبعة أخوة هم، وحيد، وفريدة، وعطاء، وفكري، وبهاء ، وعاصم، وأمينة وكانت والدته أمية لاتقرأ ولاتكتب، ولكنها كانت في غاية الذكاء ، وكانت تتعايش مع المناخ الثقافي الذي صنعه والده في الأسرة، وكان رجاء يستشيرها في كل أموره، فهذا التواضع الذي كان يتحدث به رجاء النقاش عن طفولته ونشأته، لم يختلف عن تواضعه في الحياة فعندما صافحته لم أشعر بغربة من أصافحه عن ما يكتبه وأقرأ، مثلما حدث لي مع كتّاب آخرين يكتبون بشخصية ويعيشون بين الناس بأخرى، وبين الشخصيتين فجوة كبيرة .
فمع كاتبنا الكبير وهذا نادراً وجدته كما هو كما قرأته فعندما يصافحك يجذبك إلى دنياه وإلى عالمه دون أن تشعر، يحتضنك بدفء أبوي، دون أن يقترب منك، يُحيطك بعينيه في رفق، ويكفيك أن تلتقيه مرة واحدة ليرسخ في ذاكرتك حتى نهاية العمر، ورجاء النقاش لم يكن من الكتاب المحظوظين الذين فُرشت لهم الأرض بالورود، فقد تخلل مسيرته بعض الأشواك، ففي عام 1971 م، تم تعينه في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» بقرار من محمد فائق وزير الإعلام وقتها، ولكن بعد 45 يوماً فقط حدث ماسُمي وقتها بـ«ثورة التصحيح» واعتبرته السلطة من مراكز القوى، وتم تشريده وطرده من المجلة بقرار من الدكتور عبد القادر حاتم الذي أصبح وزيراً للإعلام بعد القبض على محمد فائق واعتقاله في سجون السادات مع مئات آخرين وعاد للعمل بعد عامين، ليُمنع مرة أخرى من الكتابة عام 1973م، وبعد التغييرات الكبيرة التي حدثت في مصر خلال النصف الثاني من عقد السبعينات والانفتاح الاقتصادي، الذي ارتبط بإنغلاق ثقافي تعرض كاتبنا الكبير للعديد من الحروب التي وصلت إلى حدّ التهديد أحياناً، مما أضطره للسفر إلى قطر ليساهم في إصدار وتأسيس جريدة«الراية القطرية»، بعدها تولى رئاسة تحرير مجلة«الدوحة» الثقافية خلال الفترة من 1981 حتى 1986، وكانت وقتها أفضل مجلة ثقافية عربية، ولم يكن يشعر بالغربة لأنه من المؤمنين بالقومية العربية وأنه لاغربة في أي جزء من الوطن العربي الكبير .
كان مؤمناً بمقولة تشيخوف الشهيرة «إذا كان في وسعك أن تحب ففي وسعك أن تفعل أي شيء» ومن هنا أسهم في إرساء حركة النقد الأدبي العربي عبر دراسة وتحليل العديد من الأعمال الأدبية، وعلى يده تحول النقد الأدبي من علم أكاديمي إلى مادة يقرأها عامة الناس .
خاض معارك كثيرة أشهرها معركته ضد الشاعر السوري علي أحمد سعيد «أدونيس» وكان يربط بين كراهية العرب للعروبة، وكراهية أدونيس أيضاً، ومعركته من أجل الشاعر الراحل نزار قباني عندما أصدر الناقد اللبناني جهاد فاضل كتاب«فتافيت شاعر» عام 1989، وشن هجوماً كبيراً على نزار قباني على اعتبار أن نزار دأب في المرحلة الأخيرة من إنتاجه الشعري على مهاجمة الأمة العربية، واختار نماذجاً من شعره كدليل على وجهة نظره، وأظهر نزار قباني في صورة العدو الأكبر للقومية العربية، مما أثار استفزاز النقاش ليفتش في أشعار نزار ويستخرج درراً تُنصفه في قضية القومية العربية، وكتب سلسلة من المقالات التي دافع فيها عن نزار قباني .
رحل رجاء النقاش عن دنيانا، ولم ترحل إبداعاته، فكل كلمة كتبها ستظل تنبض بروحه التي تسكن داخل كل من قرأ له ولو مرة واحدة، رحمك الله بقدر عدد أحرف الكلمات التي كتبتها، رحمك الله بقدر عدد صفحات الكتب التي قرأتها .
رحلت لكنك باقٍ
بقلم: محمد منير