في هذه الليلة الشديدة البرد، من الأسبوع الأول للعام الميلادي الجديد، وبينما أنا مستغرق في بحر أفكاري، مستغلًّا سكون الليل وهدوء المكان، إذا بي أتفاجأ وأتفجع بأنين بلبل حزين جريح، يزغرد بأنات المستغيث.
اقترب صوته أكثر وأكثر صوب عُشّتي، فانتفضت من متكئي انتفاضة المفجوع المفزوع، وأخذت مصباحي وهرعت نحوه، وأنا أحدث نفسي: لعله بلبل جريح حزين كحالي، أبكاه الواقع وأوجعه الحال، أو لعله أدماه الحب، وأضناه البعد، وأرقه الشوق.
طفقت أبحث عنه يمنة ويسرة، لكنني لم أعد أسمع أي صوت. طفت حول العشة وداخلها مرارًا، وبحثت عنه هنا وهناك؛ لعله بين تلك الأغصان، أو مغطى بتلك الحشائش، أو تحت تلك الشجرة.
أي أنات حزينة مبكية تلك التي أسمعها لأول مرة!
كل يوم وهذه العصافير والبلابل تسبّح الله، وتأسر قلبي بزغردتها وتراقصها وطربها ونغماتها المختلفة، من الغدو إلى الآصال، أما في الليل فلا أسمع لها همسًا أبدًا.
لماذا أيها العصفور الجريح تختار عُشّتي في الليل البهيم، وتروعني بتلك النغمات المبكية الحزينة، التي تحكي بحارًا وأنهارًا من الدموع والأحزان؟
أي ضيم نزل بك؟ وأي جرم حل بك؟ ومن الذي تجرأ وأوصلك إلى هذه الحال؟
أيها الشادي الباكي، أنالك ضيم مردة الإنس، أم أدماك الحب والهوى؟ ألم تجد حضنًا يؤويك في هذه الليلة الشديدة البرد؟ أم أن عدوًّا اعتدى عليك، فلم تستطع الطير أن تصل إلى حيث يكون حضنك الدافئ؟ أم أن العشق هو ذلك المعتدي؟
أين جئت أيها الطير؟ ولماذا لم أعد أسمع لك أي أنين؟
أكنت تستغيث بي، فلم أدركك إلا وقد صادك القط اللئيم الأسود، الذي لا يعرف الشعور والمشاعر، ولا يرحم المجروحين المكلومين، والذي غالبًا ما يأتي في مثل هذا الوقت المظلم المسود؟
أين جئت أيها البلبل؟
أحجبني عن رؤيتك الظلام، فلا أقوى أن أنتظر إلى بزوغ الشمس لأراك. أيها الشادي، أيها الباكي، ألا تجتهد أن تكرر نداءك مرة أخرى لأعلم أين أنت؟
أتراك فضّلت عُشّتي لتكون قبرًا لك، لأني وإياك نتجرع الكأس نفسها؟
أم أنك جئت لوداعي قبل الرحيل، وفاءً منك للماء الذي كنت أسقيه لك ولإخوانك، وللأرز والخبز اليابس الذي كنت وما زلت أتشرف بتناولكم منه، وآنس بحضوركم إليّ؟
أم ربما كنت تعرف ما أكنّه لكم من ود وحب وشغف، فكان مجيئك توديعًا لي، وإعلامًا منك ومن فصيلتك بأنكم تبادلونني المشاعر؟
أي بلبل أنت؟
أتراك ذلك الصغير الولهان، كثير الزغردة، الذي أراه كل يوم يتأرجح فوق حصيف النخل الذي يسوّر عُشّتي؟
أم أنك ذلك العصفور المصبوغ باللون الأصفر الكثيف، الذي يميزك عمن سواك؟
أم تراك واحدًا من تلك العصافير الملكية المميزة بالتيجان البديعة؟
ليتني أراك وأفهم منك أكثر…
أتراك كنت تناديني، مؤمّلًا مني أن أكون بلسمًا لجراحك، ومخففًا لآهاتك؟ فاعذرني، فقد خيّبت رجاءك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أم آلمك الوجد، فكنت تعلم أني وإياك شركاء في ذات الألم، فاصطفيتني لنفضفض فيما بيننا، ونتأوه بآلامنا، ليخفف بعضنا عن الآخر؟
أم أضناك طول الكتمان لمشاعرك الفياضة، ولم تجد قلبًا يقدّر مشاعرك، ووعاءً يحفظ أسرارك، فَيَمَّمْتَ صوبي، مؤمّلًا مني أن أكون ذاك الذي لم تجده من بني جنسك؟
أتراك قتلك الحب، فجئت لتحذرني من مصارع المحبين؟
لن أنسى هذه الليلة، وهذه المشاعر، وهذا الألم الذي حل بي من أجل تلك النغمات الحزينة القليلة، الكثيرة المعاني، التي أحدثت في القلب كثيرًا من الآهات والألم، وهيّجت المشاعر، ونكأت الجروح.
هذا حالي عليك، فكيف بحالي على أمتنا العربية والإسلامية، التي ودّعت العام الماضي بعشرات الآلاف من دماء الأبرياء والدعاة والصالحين والأحرار، الذين قُتلوا ظلمًا وعدوانًا؟
ولتعذريني أمتي، فلم أقدّم لأجلك شيئًا، ولكن لعل وعسى أن تساهم حروفي بما يرضي ربي عني، ويخفف عن أمتي.
اللهم آمين
بقلم: عمر عبدالله الخياري
اكتشاف المزيد من anhaar magazine
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



