بقلم ٠ صافيناز مصطفى ~ مصر
القلم إختيار والأدب رسالة فعلى مدار القرنين الماضيين خلد التاريخ أدباء قدموا أدب حكى قصة حياة أغلب البشر من خلال صورة إبداعية راقية ٠
وأن كانت جائزة نوبل رمزا عالميا لقيمة الأديب وتخليده ٠ فكانت الإنسانية وسموها التى أختارها أدباء اخرين رمزا أخر للخلود من خلال بقاء أرث اعمالهم الخالدة يقتضي ويعتبر به الكثرين ومنهم من ساهم فى حل قضايا تخص المرأة الشرقية مثل رواية أنا كارينينا لتوستوي صاحب اشهر رواية فى العالم الحرب والسلام.
لكن نجيب محفوظ أدرك أن الأدب لا يعيش في عزلةٍ عن حركة الفكر الإنساني، وأن الكاتب الذي يريد أن يسمع العالم صوته، عليه أولًا أن يتحدث بلغته. ومن هنا كانت الوجودية هي البوابة التي عبر منها إلى العالمية.
من خلال رواية اولاد حارتنا، استخدم نجيب محفوظ لغة رمزية محكمة جدًا ليس تصريح بل تلميح واضح.. “للي يفهم”.
وهذا كان مقصودا، لأنه في ذلك الوقت لو أنه قالها صراحة كانت الرواية ستُمنع فورًا، وبالفعل قد مُنعت الرواية سنينا طويلة ٠ سواء في مصر أو فى بعض الدول العربية لأن تداولها كان قد يسبب تطاول على الرموز الدينية وهذا لا يجوز شرعا وكان منعها ضرورة لابد منها !
لم يكن محفوظ مقلدًا للفكر الغربي بشكل صريح بل حاول تمصيره بلغة يفهمها الشرقيين
وتصل إلى وجدانٍ مصريٍّ فحين كتب عن الحارة المصرية، جعلها رمزًا للعالم.
لقد آمن محفوظ أن الفكر الوجودي هو الطريق إلى الإعتراف العالمي، فكان هذا المزج ليكشف من خلاله أزمات الإنسان العربي بين الإيمان والحرية، بين القدر والاختيار. وهكذا لم تكن نوبل عنده صدفةً، بل كانت طريق حاول وجاهد للوصول له فجمع بين الشرق والغرب في صفحةٍ
واحدة فخرجت اولاد حارتنا.
فأنا أرى إن الرواية من الناحية الأدبية هي رواية رائعة أستخدم فيها نجيب محفوظ الرمزية ببراعة، وصاغ تاريخ الإنسان في شكل ملحمة روائية. فالرواية من حيث البناء الفني، اللغة، والتصوير تُعتبر تحفة أدبية.
أما من الناحية الدينية فهى مرفوضة نهائيا من وجهة نظري لأنه ،لا يجوز فكرة تجسيد الخالق في صورة إنسان مثل ما حاول يرمز له (بالجبلاوي)، وهذا خروج عن النص القرأني لأن الله سبحانه وتعالى “ليس كمثله شيء”، لا يُجسَّد ولا يُشبَّه بمخلوق.وفعل محفوظ ذلك على مستوى كل الأنبياء
فمثلا سيدنا ادم أطلق عليه =أدهم
إبليس = إدريس
وهو الأخ الكبير الذى حقد على اخوه الصغير أدهم فطرده ابوه من بيته أي من عالمه
النبي موسى = جبل ٠ نسبة إلى جبل موسى الذى كلمه الله سبحان وتعالى منه
رفاعة = المسيح عليه السلام لأن الله رفعه الي السماء ورمز لذلك بشكل مباشر انه قتل فجأة وأناسٌ من الحارة رأوه رفع أمامهم إلى السماء أما قاسم = النبي محمد عليه الصلاة والسلام لأن كنيته ابو القاسم
ثم جاء عارف رمز العلم الذى أراد أن يقول به أن الناس ستسير وراء العلم كبديل عن الدين
وهذا هو السبب الذي جعل الرواية تمنع داخل مصر في ذلك الوقت ، واتُهم محفوظ إنه تجاوز في الرمزية الدينية،ولكنه برر ذلك انه كان لا يقصد أي رموز دينية. ولكن ما كان يرمي له حصل وهو لفت أنظار النقاد الغربيين إليه بالرواية لأنها جمعت بين الرمز الديني، والفكر الوجودي، والسرد الشعبي في نسيج واحد.
لكن لجنة نوبل عندما منحت الجائزة سنة 1988، قالت في بيانها إن السبب هو:
“لأعماله الغنية والمعقدة التي شكّلت فن الرواية العربية، وقدّمت واقعية غنية بالتجربة الإنسانية
وده معناه إن الثلاثية، وزقاق المدق، واللص والكلاب، والحرافيش، كلها كانت أرض الخصوبة، لكن أولاد حارتنا كانت الثمرة اللي لفتت الأنظار عالميًا.
ويمكن القول باختصار️ أن نوبل جاءت بسبب مجمل إبداعه، لكنها وُلدت من رحم “أولاد حارتنا”.
قد يتساءل البعض لماذا تذكرت تلك الرواية رغم مرور ما يقرب من ٧٠ عاما على تأليفها؟
أقول انه بقصد تصحيح المفاهيم فواجب على كل ناقد ومفكر أن يصحح من وجهة نظره ما يرى انه يجب تصحيحه ، فأنا أرى أن العلم لا يغني ابدا عن الدين، ومثلما اقتنع محفوظ بفكر الوجودية فى تلك الرواية التى كانت سبب فى نوبل اقتنع غيره بفكر آخر وهو أنه لا غنى عن المعتقد الديني سواء قرأن للمسلمين أو الأنجيل للمسحيين أو التوراة لليهود.
وإذا تجاوزنا حدود الأدب العربي، نجد أن تولستوي وسارتر يمثلان ذات الثنائية في الأدب العالمي.
تولستوي، ذلك الروسي الذي غاص في أعماق الروح الإنسانية، وكتب عن الضعف والقوة، الخطيئة والغفران، لكنه رفض نوبل حين رُشِّح لها، لأنه رأى أن الخير لا يُقاس بالجوائز، وأن الأدب رسالة أخلاقية قبل أن يكون مجدًا دنيويًا.
أما جان بول سارتر، فيلسوف الوجودية الفرنسي، فقد قبل الفكرة ثم رفض الجائزة أيضا لاحقًا هو الآخر، معلنًا أن الكاتب يجب أن يكون حرًّا حتى من التكريم، لكنه في فكره كان أقرب إلى العقل المحض، يرى الإنسان ككائنٍ ضائع يبحث عن معنى في كونٍ صامت.
هكذا تقاطعت الطرق: تولستوي كإنسانٍ مؤمنٍ بالرحمة، وسارتر كمفكرٍ مؤمنٍ بالحرية.
وبينهما يقف ويوسف السباعي،الأديب المصري وكأن التاريخ يعيد الحوار ذاته — بين من أراد أن يفهم الإنسان، ومن أراد أن يحبّه.
بينما سار محفوظ في درب الفكر والفلسفة، كان يوسف السباعي يسير في درب القلب والضمير.
آمن أن الأدب ليس منبرًا للتجريد العقلي، بل جسرًا يصل الإنسان بالإنسان.
كتب عن الحب والرحمة والوفاء لا كعواطف عابرة، بل كقوانين مقدسة تحفظ للإنسان إنسانيته في عالمٍ قاسٍ.
لم يبحث السباعي عن نوبل، لأنه كان يرى أن الكاتب الذي يكتب من أجل الإنسان لا يحتاج جائزةً لتشهد له؛ فالقلب البشري هو أصدق جائزة.
كان يؤمن أن الشهرة تزول، أما الأثر الإنساني فيبقى، لذلك ظل أدبه دافئًا، يدخل البيوت بلا استئذان، ويواسي القلوب قبل أن يحاور العقول.
لقد اختار أن يكون ضمير الأمة لا فيلسوفها، وبهذا نال الخلود الذي لا تمنحه الأكاديميات، بل تمنحه الحياة ذاتها لمن أحبّ الناس بصدق.
فقد تنطفئ أضواء نوبل، لكن تظل إنسانية الأدب كالنور الأبقى، الذي لا تُطفئه السنوات.
أنني هنا لا أقلل من شأن أهم جائزة فى العالم جائزة نوبل هى شرف لكل أديب وتتويجا لجهد وفكر سنوات عمره وخبرة كل أديب فى العالم ولكن قيمة الأدب والأديب ليس فقط بالجوائز بالأثر الذى يبقى من بعده ويورثه للأجيال من قيمة ومعنى وفكر خالد ٠
تمت



