الدورات والخدمات :

spot_img

قناة التقسيم الصوتي :

spot_img

تابعنا على :

إقرأ أيضا :

ترند المواضيع :

المدية… ذاكرة مدينة كريمة / عثمان – الجزائر

  نص من السيرة الذاتية الأدبية والتأملية كانت المدية سنة 1982...

شريط أسود / الكاتبة : هناء عبدالله سالم – اليمن

قبل عشر سنوات خرج يحمل لافتة: "حقوق وليست مطالب" قبل...

مهرجان دمشق الدولي للشعر يكرم الشيخة سعاد الصباح بندروة خاصة عن تجربتها الثقافية

أنهآر - متابعات :     وزير الثقافة السوري: سعاد الصباح كتبت...

ما زلنا أمام السؤال ذاته مع زياد الرحباني / بقلم : جمال كريمو – العراق

  "بالنسبة لبكرا شو؟" كم هي رهيبة فكرة أن تكون الحياة...

أَبكِي المَوَاجِعَ / شعر : أحمد أبو راشد

أَبكِي المَوَاجِعَ فِي صَدرِي إِذَا أَلمَا فَالحُبُّ يدمي فؤادَ المرءِ...

المدية… ذاكرة مدينة كريمة / عثمان – الجزائر

 

نص من السيرة الذاتية الأدبية والتأملية

كانت المدية سنة 1982 أكثر من مدينة أقمت فيها لطلب العلم؛ فقد كانت، دون أن أدرك آنذاك، فضاءً أسهم في تكويني، ووضع بين يدي أولى خيوط المسار الأكاديمي الذي سأمضي فيه لاحقاً. فيها تعلمت المبادئ الأولى للتعامل مع اللغة، وكيف يمكن للجملة العربية أن تتجاوز كونها مجرد كلمات متراصة، لتصبح نفساً وإيقاعاً وفكراً، وربما حياة كاملة.

وما أكتبه عن المدية ليس تقرباً من أحد، ولا مجاملة لمدينة أو أهلها؛ بل هو اعتراف بالفضل، والفضل أمانة. فهناك مدن نعبرها ثم ننساها، وأخرى تعبر فينا ولا تغادرنا. والمدية من تلك المدن التي بقيت في الذاكرة كأثر قديم لا يبهت؛ كلما أعدت النظر إليه اكتشفت فيه ما لم أكن أراه من قبل.

كانت المدية في الثمانينيات مدينة هادئة ونظيفة، شوارعها وطرقاتها تعكس بساطة زمن لم تكن قد أثقلته بعد ضوضاء العصر. وكان في أحيائها شيء من الوقار؛ إذ كانت مظاهر العفة والحياء لدى نسائها جزءاً طبيعياً من النسيج الاجتماعي، لا تتكلف فيه ولا تصنع، بل تنسجم مع إيقاع الحياة اليومية. كانت المدينة تبدو وكأنها تدرك قيمة ما تحمله في داخلها، فلا تتباهى به ولا تعرضه.

وأول ما يستوقف المتأمل في المدية هو طلب العلم. هناك، في ثانوية فخار عبد الكريم، دخلت عالماً مختلفاً. كان أساتذتها من طراز رفيع، وقد أدركنا بعضهم في أواخر مسيرتهم المهنية، وكأننا كنا نلتقي آخر جيل من الأساتذة الذين كان التعليم لديهم رسالة قبل أن يكون وظيفة.

أتذكر الأستاذ عيسى في مادة الفلسفة، والحاج أحمد، والأستاذ نعمان، والأستاذ الهامل، إلى جانب مجموعة من الأساتذة الأجانب الذين تركوا بدورهم أثراً واضحاً في نفوسنا. كان الأستاذ عيسى، رحمه الله، يخرج أحياناً عن إطار الدرس، وكأنه لا يستطيع أن يحبس المدينة في داخله، فيستحضر المدية في حديثه، ويتناول تاريخها ورجالاتها، مثل الشيخ الفضيل إسكندر وسي مصطفى. كنا نستمع إليه فنشعر أن درس الفلسفة قد فتح نافذة على المدينة، وأن التاريخ ليس نصاً جامداً، بل هو أرواح وأسماء وطرقات وذكريات حية.

أما فلتة المدية وبحرها الزاخر، في رأيي الشخصي وأنا أحد طلبته، فكان الأستاذ الدكتور محمد بن حجر؛ مثالاً للأدب والأخلاق والعلم، ونبعاً من العطاء لا يكاد ينضب. أستاذ متميز ترك في نفوس تلامذته أثراً عميقاً لا تقيسه السنوات.

كنت أدرس على يديه، وكان يومها شاباً أشقر الشعر، أنيق المظهر، هادئ الحضور؛ غير أن ما كان يحمله في داخله كان أعمق بكثير من مظهره. لم يكن يحتاج إلى مناسبات كبرى ليمنحنا جرعات من المعرفة والحياة، بل كان يستثمر لحظات الدرس العابرة ليفتح لنا آفاقاً جديدة. وكان يحدثنا أحياناً عن خدمته الوطنية في مدينة القل، وعن جمال تلك المدينة الساحلية التي تركت فيه أثراً، كما تركت المدية أثراً فينا جميعاً.

ولم تكن المدية مدينة علمائها وأساتذتها فحسب؛ بل كانت أيضاً مدينة أهلها البسطاء، وتجارها، وأولئك الذين لم تُسجل أسماؤهم في الكتب، لكنهم تركوا بصمتهم في ذاكرة الأجيال.

ومن الأمور التي تستوقفني كلما استرجعت تلك المرحلة، ما كان يتحلى به بعض تجار المدية من تدين وزهد وورع، حتى ليبدو ذلك اليوم وكأنه من زمن آخر.

كان في عين الذهب رجل صالح، صاحب مخبزة وحلويات، هو عمي العلجي، ولا يكاد يخلو طالب مر بالمدية في ذلك الزمن من أن يذكره بخير. لقد حملنا له ديناً لا يسدده المال ولا تفي به الكلمات؛ ديناً لا أملك اليوم إلا أن أرده بالدعاء: أن يغفر الله له ويرحمه، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته.

وكان عمي بالريان، رحمه الله، في أوج صحته آنذاك، أنيق المظهر، يرتدي البيري، ويتميز بهيبة الرجل العارف بالناس وأحوالهم. ومع ذلك كان يتعامل مع الطلبة بتفهم كبير، ويغض الطرف عن كثير من ظروفهم، مدركاً ما قد يمرون به من ضيق. لم يكن الفقر عنده مدعاة للوم أو الإحراج.

كان تجار المدية في تلك الفترة نموذجاً مختلفاً للكرم؛ كرم لم يكن منفصلاً عن التدين، بل كان امتداداً طبيعياً له. كانوا يدركون أن الدين ليس مجرد شعائر تؤدى، ولا مظهراً اجتماعياً، بل هو أخلاق ومعاملة ورحمة بالضعيف والمحتاج والغريب.

وحين أستعيد اليوم تلك السنوات، بعد مسار طويل في التعليم، أكتشف أن المدية لم تعلمني ما في الكتب فحسب، بل علمتني ما هو أعمق: أن الأستاذ لا يصنعه العلم وحده، وأن التربية لا تبدأ دائماً من قاعة الدرس.

لقد ربتني المدية على الأخلاق قبل العلم، وعلى الوفاء قبل المعرفة، وعلى أن الإنسان قد يترك أثراً في حياة الآخرين لا يدرك حجمه إلا بعد مرور الزمن.

ولعل أجمل ما في المدن التي تسهم في تشكيلنا أنها لا تطلب منا مقابلاً؛ تترك لنا أبوابها مفتوحة، وطرقاتها، وأصوات أهلها، وذكريات رجالها، ثم تمضي.

أما نحن، فنمضي أيضاً…

لكننا نحملها معنا.

المدية… مدينة درست فيها، وتعلمت فيها، وتبلورت فيها ملامح الأستاذ الذي سأكونه.

ولهذا، كلما عدت إليها في الذاكرة، لا أقول: كنت هناك.

بل أقول:

هناك بدأت… هكذا رأيت المدية.


اكتشاف المزيد من anhaar magazine

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
spot_imgspot_img