وزير الثقافة السوري: سعاد الصباح كتبت بالكلمات ما عجز عنه الرصاص
– الثورة السورية كانت حاضرة في وجدان سعاد الصباح منذ اليوم الأول
– د. سعاد الصباح: بين الكويت وسوريا جسر راسخ لا تهدمه المسافات
وصف وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح بشمس الكويت وشمس القصيدة العربية، مؤكداً أنها استطاعت أن تكون أماً منذ نعومة أظفارها، واستطاعت أن تكتب بالكلمات ما عجز عنه الرصاص وعجزت عنها السياسة.
وقال الوزير صالح في كلمة ارتجلها في مستهل ندوة تكريمية للشاعرة الدكتورة سعاد الصباح احتضنتها دار الأوبرا في دمشق ضمن فعاليات اليوم الثالث من مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي: اليوم تأتي سعاد الصباح لتضيء إضاءة كبيرة.. تأتي سعاد الصباح وهي شمس الكويت وشمس القصيدة العربية، تأتي هذه المرأة التي استطاعت أن تكون أماً منذ نعومة أظفارها، واستطاعت أن تكتب بالكلمات ما عجز عنه الرصاص وعجزت عنها السياسة.
وأضاف وزير الثقافة السوري: ربما لا يعرف الكثيرون من الجالسين هنا أن هذه المرأة فقدت طفلها بين أيديها يوماً على متن الطائرة.. كان طفلا أصابته نوبة صدرية مات بين يدي أمه على متن الطائرة.. بعد ذلك انتقل هذا الشعور بالأمومة من الأبناء الحقيقيين إلى الأبناء المجازيين، وكان هؤلاء الأبناء كل من يحتاج إلى العون شرقاً وغرباً. تجدها جالسة في (قصرها الأبيض)، وهي اليوم في صباها تناهز الثمانين، وتكتب قصيدة، ثم تنتقل منها إلى توثيق تاريخي، ثم تنتقل بعد ذلك لترسم صورة، أو لوحة، وبين هذا وذاك يكون في وجدانها وبين ثنايا قلبها طفل يحتاج رعاية فتتصل بمدير دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع، وتقول له: ” يما إيش صار على الطفل الذي طلبنا أن تقدم له كذا وكذا”، أو تقول له كما العادة” هلا وليدي، أنا أيش طلبت منك تسوي مع فلان؟ خلّصت الموضوع؟”
وقال الوزير صالح: دائماً كانت الثورة السورية حاضرة في وجدان سعاد الصباح منذ اليوم الأول. كانت تكتب عن شهدائنا، عن أبطالنا، عن مظاهراتنا، وعن حلمنا بأن تكون دمشق حرة. واليوم وقد تحررت دمشق يجدر الوفاء بأهل الوفاء:
أشدد يديك بمن خبرت وفاءه إن الوفاء من الرجال عزيز
يقول الشاعر أيضاً:
تأبى المروءة أن تفارق أهلها إن المروءة في الرجال خصال
ونحن عندما نقول الرجال فنحن نقصد الرجال والنساء معاً.
وأشار وزير الثقافة إلى أن سعاد كانت دائما، وقبل الحركات النسوية بكثير، تطالب بحقوق المرأة ولكن بعيداً عن شعارات التغريب.. كانت تطالب بحقوق المرأة وهي ترتدي عباءتها الشرقية التي تفتخر بها، وهي ترتدي ملامحها العربية التي تفتخر بها. لم تخلع يوماً شرقيتها، ولا عروبتها، ولا مروءتها. أجمل ما تتقنه المرأة عادة يكون شيئاً عزيزاً عندها.. تفتخر بهوايتها، بمهنتها، وكان القلم والكتابة أجمل ما تتقنه سعاد الصباح، ولكن كانت طوعا وحباً وكرامة تخلعه على أطراف زوجها وتقول له:
يا آخذ الكلمات تحت ردائه
ما عدت بعدك أحسن التعبيرا
التعبير الذي هو من أكثر ما تحسن.. طوعاً وحباً وكرامة.. تقول له:
من أين تأتي بالفصاحة كلها
وأنا يتوه على فمي التعبير
وتابع الوزير القول: فوق هذا وذاك، تجد دائماً أن الانكسار ليس جزء من قاموس هذه المرأة التي عايشت وعاصرت انكسارات العرب، وأي إنسان يستطيع أن لا يُكسر حينما يرى ما يحل بفلسطين، وما حل بالكويت ردحاً من الزمان، وما حل بالعراق فترة من الوقت، وما حل هنا في سوريا على يد أقذر احتلال عرفته البشرية، وأبشع مليشيات استجلبها علينا طاغية الشام، ولكن ينبئك هذا الأمر عن حالة من الأمل، من الصبر، من طول النفس، عن حالة من العظمة والكبرياء تليق بالكبار.. في أي إطار وضعت هذه الحالة، وبهذا أختم ببيت شعر خالد تقول فيه:
صعب على الأحرار أن يستسلموا
قدر الكبير أن يظل كبيرا.
وكان وزير الثقافة السوري قد أشاد في كلمة له قبيل الندوة بالعلاقة الممتدة بين دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع وسوريا من خلال مسابقاتها التي توّجت الكثير من المبدعين السوريين، مؤكدا أن تكريم الدكتورة الشاعرة سعاد الصباح يمثل تقديرا لمسيرة طويلة من الوفاء المتبادل بينها وبين مدينة دمشق، ولأثرها في أجيال من الأدباء والباحثين السوريين عبر عقود من العمل الثقافي.
أعظم الجسور
بدورها، أكدت الدكتورة سعاد الصباح بأن بين الكويتِ وسوريا جسراً لا تهدِمُهُ المسافاتُ، لأنَّ الثقافةَ كانتْ وستظَلُّ أعظمَ الجُسورِ بينَ الشعوب، مشيرة إلى أن للشام عندها مكانة خاصة، فالشامُ رائحةُ عمرَ، ومَرحلةُ شِعْرٍ، ورِحلَةُ رُوحٍ، ومَحْطَّةُ وُجْدان.
وقالت الدكتورة سعاد الصباح في كلمة لها في مستهل الندوة التكريمية “عن تجربة الشاعرة سعاد الصباح: الإنسان، الوطن، السلام، الحب” إنَّ لتكريمها في دمشقَ مَعنىً مُختلفاً، لأن للتكريم في مدينةِ الأُمويينَ طَعْمٌ آخَرُ، طعمُ عاصمةٍ حملَتْ رِسالةَ الحضارةِ إلى الدُّنيا، لأنَّ دمشقَ لم تكُنْ يوماً مدينةً سوريةً فقط، فهي عاصمةُ الخيالِ العربيِ كلِّهِ، والجَمالِ العربيِّ بكلِّ اتّساعِهِ.. وللقُوّةِ العربيةِ بكُلِّ هَيبتِها، هُنا تعلَّمْنا أنَّ الأمةَ يُمكِنُ أنْ تصنَعَ التاريخَ حينَ تُؤمِنُ بنفسِها، وأنَّ الثقافةَ كانتْ دائماً صانعةَ الحَضارة.
وأضافت في كلمتها التي ألقاها نيابة عنها مدير دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع الشاعر والناقد علي المسعودي أنها لا ترى في هذا التكريم تكريماً لشخصها وحدها وإنّما تكريماً للكلمةِ الحُرّةِ، وللشِّعْرِ العربيِّ، وللمرأةِ العربيةِ التي اختارتْ أنْ تحمِلَ قلمَها، وأنْ تواجِهَ به كلَّ أشكالِ الصَّمْت، وقالت: واليومَ، وأنا أرى سوريا تَستعيدُ عافيتَها، وتفتَحُ نوافِذَها للحياةِ مِنْ جَديدٍ، أشعُرُ بأنَّ الأملَ العربيَّ لم يَمُتْ، وأنَّه قاومَ كثيراً لحظاتِ الموتِ حتى حانَتْ لحظةُ النُّهوض.
وقالت الدكتورة سعاد الصباح: لقدْ علَّمَتْني الحياةُ أنَّ الشِّعْرَ مَسؤولية.. وأنَّ الكلمةَ التي لا تدافِعُ عن الإنسانِ، ليستْ جَديرةً بالحِبْرِ.. ولا بالحُبّ. وأنَّ الثقافةَ التي لا تنحازُ إلى الحُريةِ والكرامةِ والعَدْلِ، تفقِدُ مَعناها. ولهذا بَقِيْتُ مُؤمنةً بأنَّ الشِّعرَ يستطيعُ أنْ يزرعَ شجرةً في أرضٍ أحرقَتْها الحروبُ، وبأنَّ كتاباً واحداً يهزِمُ جيشاً من الجَهلِ، وأنَّ قصيدةً صادقةً تمنَحُ الإنسانَ سبباً جديداً ليُحِبَّ الحياة.
السلام والحب
وكانت الندوة التي عقدت بعنوان “عن تجربة الشاعرة سعاد الصباح: الإنسان، الوطن، السلام، الحب” قد شارك فيها الدكتور محمد حسان الطيّان الأستاذ في الجامعة العربية المفتوحة في الكويت، والدكتور فايز الداية الأستاذ في جامعة حلب، والكاتب والناقد د. نزار العاني، ومدير دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع الشاعر والناقد علي المسعودي، وسط حضور رسمي وجمهور من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
وتطرّقت الندوة إلى محطات بارزة من تجربة الشاعرة سعاد الصباح، ودورها في دعم الشعراء والمبدعين العرب، واهتمامها بالشباب والأطفال عبر الجوائز والمسابقات الأدبية، إضافة إلى حضور القضايا الإنسانية والوطنية وقيم السلام والحب في مشروعها الشعري والثقافي، وعملها الدائم على تعزيز العناية باللغة العربية لدى الأجيال الجديدة بوصفها أحد مفاتيح الهوية والانتماء.
اكتشاف المزيد من anhaar magazine
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



