“بالنسبة لبكرا شو؟”
كم هي رهيبة فكرة أن تكون الحياة بلا موسيقى، لستُ أدري كيف كان يمكنني احتمالها.
وربما كان زياد الرحباني أحد أولئك الفنانين الذين أقنعوني بشكلٍ لا يقبل التراجع بأن الموسيقى ليست ترفًا عابرًا يدفع بنا إلى ذروة النشوة في لحظاتٍ خاطفة، ولا مجرّد ملاذٍ مؤقت يخفف من وطأة الأيام، وإنما هي في جوهرها ضرورة روحية ووجودية مُلحّة إحدى تلك المعجزات النادرة التي تجعل الحياة بكل مآسيها، وسخريتها، وغموضها، أقلَّ قسوةً وأكثر استحقاقًا للانتماء إليها.
ولعل خير ما يجسد هذه الفكرة معزوفته الخالدة «آثار على الرمال» ذلك العمل الذي لا أتردد في عده واحدًا من أجمل ما كُتب في الموسيقى العربية بل ومن الأعمال التي أضعها في تجربتي الجمالية إلى جوار روائع بيتهوفن، وتشايكوفسكي، وباخ، وموزارت.
يكفي أن نغمض أعيننا ونحن نصغي إليها حتى يخيل إلينا أن السماء نفسها قد انحنت فوق البيانو تعزف برفق ما عجز الإنسان عن قوله فتغدو الموسيقى اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
فثمّة أشياء تستعصي على الفلسفة، ويقصر الشعر عن احتوائها، وتعجز الأسطورة عن روايتها، بينما تنجح الموسيقى في لحظةٍ واحدة في أن تقولها كلَّها دون أن تنطق بكلمة.
ومع ذلك تبقى المفارقة الأكثر إيلامًا والتي شغلتني طويلًا:
كيف لرجلٍ منح الحياة كل هذا الجمال أن تعجز الحياة عن احتوائه؟
أتذكر أحد لقاءاته التلفزيونية قبل سنوات.
سأله المذيع:
لو بقي لك نصف يوم فقط وكنت تعلم أن الموت ينتظرك في نهايته، ماذا ستفعل؟
ساد صمتٌ قصير ثم أجاب:
سأنهي حياتي قبل أن يصل إليها الموت.
ظلّت تلك العبارة تطاردني طويلًا.
كيف يمكن لإنسانٍ منح هذا القدر من الحياة للآخرين أن يضيق بالحياة إلى هذا الحد؟
أيُّ ترياقٍ هذا الذي يهب العزاء لغيره، ويعجز عن شفاء صاحبه؟
لعل مأساة الفنان الكبرى تكمن هنا أن يمتلك القدرة على إنقاذ الآخرين بينما يعجز في أوقات كثيرة عن إنقاذ نفسه. وأن يبتكر أعمالًا تمنح الآخرين أسبابًا للاستمرار في الوقت الذي يبقى هو أسير السؤال الأزلي ذاته:
ما قيمة هذه الحياة التي نتوهّم أننا نحياها بينما لا نفعل سوى دفع صخرة سيزيف يومًا بعد يوم نحو القمة نفسها لتتدحرج في كل مرة إلى الهاوية ذاتها فنعود إلى وادي العبث، مثقلين باللامعنى؟
وربما لهذا السبب يبقى الفن أحيانًا أعظم من صاحبه إذ ينجو العمل من هشاشة الإنسان، ويواصل مواساة الغرباء حتى بعد أن يعجز صاحبه عن مواساة نفسه.
قد ينهار الفنان من الداخل ويغدو حطامًا لكن الفن إذا كان عظيمًا حقًا يظل واقفًا لا لينجو بنفسه فحسب وإنما ليهب الآخرين سببًا آخر لمواصلة الإبحار في هذا البحر الهائج.
ولعل الفن لم يُنقذ زياد الرحباني لكنه منحه شكلًا آخر من الخلود. فما دام هناك من يصغي إلى موسيقاه، ويبتسم لسخريته، ويردد كلماته، ويبحث في أعماله عن عزاءٍ، أو عن سلوى، فإنه لم يغب حقًا.
سيظل حاضرًا في أرواح أولئك الذين ما زالوا يحلمون بأن يقتسموا يومًا ما رغيف الحرية وأن يعبروا هذا العالم من دون أن تثقلهم قيوده. فالفن العظيم لا يقهر الموت لكنه يقهر النسيان.
جمال كريمو
كاتب وشاعر عراقي
اكتشاف المزيد من anhaar magazine
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



