الفلسفة الجمالية للأسرة في فضاء جائزة البردة..
في عمق التحولات الثقافية المعاصرة، تبرز جائزة البردة كأطروحة حضارية متكاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للمسابقات لتصبح بيئة ابتكارية تُعيد صياغة المشهد الجمالي الإسلامي وتجعل منه شريكاً فاعلاً في الحوار الإنساني العالمي. هذا المشروع، الذي يتخذ من دولة الإمارات العربية المتحدة منطلقاً له، يمثل نقطة التقاء استراتيجية بين الذاكرة التاريخية والمستقبل، حيث لا تكتفي الجائزة باستدعاء النماذج التراثية الكلاسيكية، بل تدفع بصناع الجمال من شعراء وخطاطين ومزخرفين نحو مغامرة إبداعية واعية تبحث عن روح النص القرآني والسيرة النبوية العطرة وتجسدها في صيغ بصرية وتعبيرية متجددة. إن القيمة الحقيقية لهذا الحراك الفني تكمن في قدرته على هدم العزلة المعرفية التي فرضتها الحداثة على الفنون التقليدية، وتحويلها إلى لغة حية قادرة على تفكيك تفاصيل الواقع الإنساني وإعادة تركيبها عبر لوحة خطية معاصرة أو قصيدة تدمج الأصالة بالتحديث، مما يمنح الأجيال الجديدة فرصة استكشاف المخزون الروحي البشري بأدوات عصرهم. وبذلك تتحول الجائزة في كل دورة جديدة إلى بيان معرفي يؤكد أن الفن الإسلامي ليس قالباً جامداً، بل هو تيار متدفق من الجمال والقيم الكونية التي تملك القدرة على مد جسور التواصل الثقافي، وتقديم إجابات بصرية وفلسفية ملهمة تلامس الوجدان الإنساني المشترك في عالم يبحث عن السكينة والسلام.
تتحول جائزة البردة في دورتها الحالية إلى بيان فكري وفني يعيد صياغة الوعي الجمعي حول النواة الأولى للمجتمع، واضعةً مفهوم “الأسرة وسكينتها” في بؤرة الضوء الفلسفي والجمالي كضرورة إنسانية ملحة في عالم متسارع. إن هذا الاختيار الموضوعي، المستلهم من المرجعيات الأخلاقية والقيم النبوية العالية، يمثل استجابة واعية للتحديات المعاصرة التي تواجه الكيان الأسري، حيث لا تطرح الجائزة هذا المفهوم كشعار عابر، بل كمادة خام تثير مخيلة المبدعين لاستنطاق معاني المودة، والرحمة، والاستقرار الروحي. من هنا، يصبح الحرف العربي والزخرفة الهندسية والقصيدة الشعرية أدوات لترجمة هذا الدفء الإنساني؛ فيتحول الحبر المنساب على الورق إلى تجسيد بصري لروابط التماسك والاحتواء، وتتحول الزخرفة المتناظرة والمتشابكة إلى مرآة هندسية تعكس تكامل الأدوار داخل الأسرة وتناغمها الكوني، بينما ينسج الشعراء بكلماتهم فضاءات عاطفية تعيد للاستقرار الأسري قدسيته ومكانته الجوهرية. إن تركيز الجائزة على هذه الثنائية الروحية — الأسرة والسكينة — يبرهن على أن الفنون الإسلامية لم تكن يوماً معزولة عن قضايا الإنسان الواقعية، بل هي مرآة تعكس أشواقه نحو الاستقرار النفسي والاجتماعي، ليقدم المبدعون من خلال أعمالهم رؤية بصرية وفكرية ملهمة، تؤكد أن السكينة التي تبدأ من البيت هي ذاتها السلام الذي يتوق إليه العالم بأسره.
بقلم : ناصر الشفيري
اكتشاف المزيد من anhaar magazine
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



