السبت, مارس 7, 2026

الدورات والخدمات :

spot_img

قناة التقسيم الصوتي :

spot_img

تابعنا على :

إقرأ أيضا :

ترند المواضيع :

عن تشيخوف — مقال أدبي مختصر / الكاتب الروسي : Михаил Шишкин

الكاتب الروسي : Михаил Шишкин   يقول الناقد الروسي: إنّ تشيخوف...

ملامح العمل الصحفي الأدبي

إعداد : أنهآر :   يُشكّل العمل الصحفي الأدبي مساحة...

استمرار جائزة الطيب صالح رغم توقف الفعاليات

أنهآر - متابعات : أعلن على محمد شمو، رئيس مجلس...

إعلان القائمة الطويلة لجائزة المرأة للكتب غير الروائية 2026

أنهآر - متابعات : أعلنت لجنة تحكيم جائزة المرأة للكتب...

مُحَاكَمَةٌٌ عَلَى سَبِيلِ “الغُفْرَان” / بقلم : حبيب العيد

بقلم : حبيب العيد – المملكة العربية السعودية

منذُ أنْ قرأتُ رسالةَ الغفرانِ، وأنا لا أملكُ خياليَ الذي يبتدرُ لنصبِ محكمةٍ أخرويّةٍ لكلِّ صاحبِ قولٍ أرى فيه شَطَطًا عن الجادّةِ. أتخيّلني أزورُ مُتَّهمي في جحيمِهِ مناقشًا قولَه الذي أوجبها لهُ، إمّا مُسْتَفْهمًا وجهَ ما قالَهُ ، أو مُقنعًا بأنّ قولَهُ هذا قادَهُ لعذابِه. غيرَ أنّ الأمرَ في خيالي لا يقتصِرُ على الأمواتِ كما كان الحالُ مع أبي العلاء، بل ينسحبُ على الأحياءِ أيضًا، مِمّنْ لا أرجحُ أن ألتقي بهمْ ما دمتُ حيًّا، فيزدادُ لديّ احتمالُ أنْ لا نلتقي إلّا أمواتًا!
يبدو لي إذًا أنّني أعِدُّ مادّةَ الجدلِ معهم للقائنا الأُخرويّ!
لا أرتاحُ كثيرًا لفكرةِ أنّني أَرى الجحيمَ لمن أخالفُهُ الرّأيَ، وأراهُ مستحقًا لها. يُموضعُهُ خيالي بين نيرانها وأغلالها لمجرّد قولٍ قالَه أو رأيٍ رآه. غيرَ أنّ هذه حقيقتي، وأنا متعايشٌ معها بعد الإقرارِ بها. لا أشكّ أنّني امرؤ عاطفيٌّ، والعاطفةُ لم تقدْ أحدًا لرأيٍ سديدٍ، وإن حفظتْ أرواحَنا حيّة.
********************************
ومن جملَةِ مَنْ حاكمَهُمْ خيالي مؤخّرًا هو المُؤرِّخُ العراقيّ البارزُ بشّار عوّاد معروف، عن رأيِهِ في كتابٍ تعلّقْتُ به كثيرًا، للكاتب العراقيِّ عزيز السّيِّد جاسم (عليُّ بنُ أبي طالب سُلطةُ الحقّ)..
وفي تقدمةٍ للكتابِ لابدّ منها, لا أظنُّ شيئًا أليقَ أنْ يُقالَ فيها من أنَّ هذا الكتابَ قادَ صاحبَهُ للموت..!
عزيز السّيد جاسم، الذي مارَسَ النِّضالَ بالقلمِ مُنظِّرًا للماركسيّة والقومية, وكانَ يُتّهمُ أيضًا بكونه أحدَ المنظرين للحاكمِ الديكتاتور ومزوِّقي صورَتِه, اختارَ نهايَتَه بنفسه، بنفسِ أداةِ نضالِه الأولى، لكن ليطهّر تاريخها هذه المرّة! اختارَ هذهِ النّهايَةَ كفّارةً عن مسيرةٍ طويلةٍ لم تُرْضِ الإنسانَ في داخِلِهِ.
تقدّمَ عزيز السيد جاسم بطلبِ نشر الكتاب لوزارةِ الأوقافِ العراقيّة، فأتاهُ الجوابُ من الوزارة برفض الإفساح! لكنّ عزيز لم ينخذِل بذلك، بل وجدَ طريقاً مرّرَ منه الكتابَ إلى لُبنان. طُبِع الكتابُ عام 1987م فتفشَّى في ضواحي الجنوب وذاعَ صيتُه.
في العراقِ, وبعدَ ورودِ نُسخٍ من الكتاب ووقوعها بيدِ السُّلطات,أُلقي القَبضُ على عزيزٍ وأودِعَ السِّجْنَ إثْرَ ذلك.
ماذا يعني أنْ تُمَجّدَ العدلَ والزُّهدَ والإنسانيةَ في شخصِ رجلٍ تاريخيّ كعليّ بن أبي طالب؟ إنّ ذلك يعني في مُخيّلَةِ من هو على النقيضِ من هذه الصّفاتِ أنّه تَعْريضٌ به! لذلكَ لم يكن مُنْتَظرًا منه غيرَ القسوةِ والانتقام.
اشترطَ النّظامُ أن يقومَ الكاتبُ بتأليف كُتُب مشابهةٍ في الخلفاء الثلاثة, ويُتبعها بإعادةِ كتابة (علي بن أبي طالب سُلطةُ الحق) بطريقةٍ تنقضُ كتابَهُ الأوّل, لكي يُفْرَجَ عنهُ. استجابَ عزيز لشروط إطلاق سراحهِ فكتب الكتُب الأربعة. وحينَ ظنّ أنَّ الأمر سينتهي بالإفراج عنه, إذ بالسُّلطةِ تضع شرطًا آخرَ, وهو أن يكتُبَ كتابًا آخرَ تمجيدًا لمن لم يشأْ عزيزُ أن يُمَجِّدَه, لكنَّه فعلَ ذلك حفاظًا على حياتِهِ, فأُفرِجَ عنه. لكنَّ عزيز عَلِمَ أنّه لن تُمكنهُ النجاةُ طويلًا لقاءَ ما أحدث الكتابُ من تأثيرٍ, ولعمقِ دلالة التّعريضِ فيه, كما فهمها النِّظام.
في غضونِ عام 1991 م, وعلى إثرِ تُهمةِ التآمُرِ السياسي مع منظمي الانتفاضة الشعبانيّة, اعْتُقِلَ عزيز السّيد جاسم وأُخْفِيَ, ولمْ يَبِنْ له أثرٌ حتى يومِ الناسِ هذا.

يذكرُ المُؤرِّخُ بشَّار عوّاد معروف – الذي كانَ يعملُ في وزارة الأوقافِ العراقية حالَ ورودِ كتاب عزيز السّيد جاسم عليها – في مقابلةٍ حديثةٍ, وبعدَ مرورِ ما يقربُ من ثلاثةٍ وثلاثين عامًا على اختفاء عزيز, أنّه هو منْ كتبَ مُذكّرةَ منع نشر الكتابِ بيدهِ, مُعلّلًا ذلكَ بكون الكتابِ يُحَرِّضُ على الطّائفيةِ وينتقصُ من قدر الخلفاء, وبكون الكاتب يفتقرُ لدقَّةِ المبتدئينَ في التعامل مع الأخبار التاريخيّةِ وتمييزِ صحيحِها وسقيمِها.
شاهدتُ هذه المقابلةَ بعد أن قرأتُ الكتابَ وأُعجبتُ بأسلوبهِ التحليليّ فيما يتصلُ بسياقات الفتراتِ التي كوّنت عليّ بن أبي طالبٍ, من قبل ولادتهِ, وتربيّةِ النبيِّ له وأسباب ودلالات اصطفائِهِ لهُ دونَ غيرهِ, وحياتِه في ظلِّ الخلفاء من قبله, وحروبِهِ أثناءَ خلافته. ما امتلَكَه الكاتبُ من حصيلةٍ في الفلسفة وعلم الاجتماع مكّنَهُ من تقديم صورة تحليلية مُعجبةٍ ومُتفرّدةٍ, على كثرة من تناولوا حياة عليّ قبله وبعده.
جاء إذًا رأيُ بشار عواد معروف المحققِ ذي الباعِ الطّويل مُخالفًا لرأيي. وهذا ما حداني للتفكُّرِ الطّويلِ في الأمر. ولو كانَ قد عَزا رأيَهُ هذا إلى أسبابٍ سياسيّةٍ في ذلك الوقتِ العصيبِ اضطرَّ معها إلى منع الكتابِ لهانَ الأمرُ, ولكنّهُ سفّهَ الكتابَ في لقائهِ الحديثِ وتمسّكَ برأيهِ, بعد مرور كلِّ هذه السنوات وتبدُّل الأحوال السياسية وتَخفُّفِه من ضغوطها.
يصدُرُ بشّار عوّاد معروف عن قراءةٍ مُغايِرةٍ للتاريخ الإسلاميّ عن تِلك التي يصدُرُ عنها الكتاب,إذ أنّ اختلافَه العقديَّ مع عزيز السّيّد جاسم يُحتّمُ عليه أن يرفُضَ التحلايلاتِ الواردة, وأنْ يَعْتَبِرَ كُلّ مُحاولةٍ لرسمِ صورةٍ تُبْرِز الجوانبَ المُضيئة في حياة عليّ بن أبي طالبٍ نيَّةً من الكاتبِ أن يُثبِتَ تَميّزَهُ على مَنْ سَبَقَهُ من الخُلفاء, وإنْ كان الكاتبُ جَمَّ التّأدُّبِ حالَ ذكرِهمْ جميعًا.
كان تغايُرُ الانتماءِ والرؤيةِ التاريخيةِ التي يتبنّاها المُحقِّقُ المعروفُ هما ما مَنَعاهُ من إنصاف الكتاب وكاتبه. فالنّاظر بعينٍ مُنْصفَةٍ يُهَوِّنُ من أمرِ أن يكونَ الكاتبُ قدِ استشهدَ ببعضِ ما لا يصحُّ من الأحداثِ أوِ الأقوال, فشأنُ الكتاب أكبرُ من أن يتضعضعَ بذلك. قلتُ “بعضَ ما لا يصحُّ” لثقتي بأنّ المُحقِّقَ لا يستطيعُ أنْ يُجْري حٌكْمَهُ بالضعف – بحسب موازينه في التصحيح والتضعيف – إلا على عددٍ قليلٍ جداً من الاستشهادات التاريخية المذكورة. إذ أنّ الأعمّ الأغلبَ ممّا استشهدَ به الكاتبُ عن حياة علي بن أبي طالب هو من المشهورِ والمشهودِ بصحّتهِ عند المُسلمينَ بجميع مشاربهم المذهبيّة.
يَنْطلقُ بشّار عوّاد معروف, وهو العالمُ المؤرخُ ذو الثّمانينَ سنةً, من موقعِ “سُلطةِ الخبير” التي يظُنُّها في نفْسه, ويتوقَّعُ تصديقَ الآخرينَ له على إثرِ هذا الظّنّ. والحقُّ أنّه اختلطَ عليهِ الرأيُ العلميُ بقراءتِهِ الخاصّةِ للتاريخِ المُتأثِّرةِ بانتمائهِ المَذهبيّ. أفلتَت الموضوعيّةُ من بينِ يديه إذن, فلطالما كان لميولاتِ النفسِ والهوى السُّلطانُ على مَدَارِكِ الإنسان, مهما ارتفعَت به الصفةُ العِلميّة.
في إطارِ بحثِهِ لناحيةِ العدلِ في سيرة الإمام علي ع, يُعبِّرُ عزيز السيّد جاسم تعبيرًا نابهًا حين يقول: ” الأفكار الشّريفةُ لا تصنعُ عدْلًا “. ويعني بذلكَ أنَّ امتلاكَ أسبابِ العدْلِ من المعرفة النَّظريةِ والنيةِ الصَّادقةِ لا تكفي لتحقيقِه على أرضِ الواقع. فالقَصْدُ الصّادقٌ والأفكارُ النَّظريَّةُ المُكتَسبَةُ ليستْ هي صاحبةُ الحاكميَّةِ المُطلقةِ على قرارات الإنسان التطبيقية, بل إنَّ هنالكَ مرحلةً تسبقُ ما يَكتَسِبُهُ من أفكارٍ نظريّة وما يُوَطِّنُ نفسَهُ عليهِ من موضوعيَّة, وهيَ الطّبيعةُ البشريَّةُ أوَّلا, ومن ثُمَّ التَّنشئةُ الاجتماعيَّةُ التي تُنَمِّي فيه صفاتِ تفضيلِ الذاتِ والعشيرةِ والمسلَكِ الخاص به وبدائرتِه الضيّقة. من أجل ذلكَ, فإنَّ تطبيقَ العَدْلِ المُطْلَقِ يَسْتَلْزِمُ روحًا كأنّما خُلِقتْ من غيرِ مادةِ هذا العالَم. وهذا – بحسبِ الكاتِبِ -ما دلّتْ على توافُرهِ في شخصيَّةِ عليّ دلائلُ كثيرةٌ.

تقودُني هذه العبارة “الأفكارُ الشَّريفَةُ لا تصنعُ عدلًا”, إلى فهمِ مكامِنِ موقفِ بشار عوّاد مَعروف من الكتابِ, فلا أظنُّ رجلًا بقامَتِه العِلميةِ ومسيرَتهِ المُمتدةِ يَجْهلُ خطأ أنْ يُسفِّهَ عملًا كتابيًّا تحليليًا لمُجرّدِ ورودِ بعضِ ما يَشٌكُّ في صِحّتهِ من استشهادات الكاتب. أفهمُهُ الآنَ جيّدًا, فسُلطانُ العِلْمِ والموضوعيَّةِ يضعُفُ أمامَ سلطانٍ آخرَ هو أعمقُ تأثيرً وأخْفَى أثَرًا.
********************************
تُرى, هل على (بشّار عوّاد معروف) أن يَيْأسَ من الجنَّة؟
لمْ يجرؤ أبو العلاءِ في خيالِه على أنْ يُدخِلَ الجحيمَ ما خلا إبليسَ وبعضًا من شعراءِ الجاهليّة الذين لمْ يجِد لهم مُلتَمسًا للنجاةِ. وزادَ عليهم ممّنْ شهدوا الإسْلامَ واحدًا فقط, وهو بشارُ بنُ بُرد! لَمَّا كانَ مشهورًا بالزَّندقَةِ. لكنَّ أبا العلاء استدْرَكَ على نفسهِ – بعدما عدّهُ من أهلِ النَّار- في معرضِ حديثِه عن الزَّنادقةِ بأنَّهُ لا يقطعُ حُكْمًا في أمرِ بشارٍ, وإنَّما يُعلِّقُ أَمْرَهُ بيدِ الله!
وأعلنَ حَسْرَتَهُ على أبي تمّام لِمَا عُرِفَ عنهُ برقَّةِ دينهِ وتركهِ لصلاتِهِ, فها هيَ ممدوداتُهُ وبائيّاتُهُ تُقيم مأتمَ تَفَجُّعٍ عليهِ إنْ كان لمْ يُكتَب له اللّحاقَ بمنْ نجا.
وظلَّ يلتمسُ أسبابًا يُنجِّي بها كثيرًا منهم (أي من الشعراء الجاهليين) كالأعشى وزُهيرِ وعبيد بن الأبرصِ والنَّابغة وغيرهم الكثير, فيدخلهم إلى الفِردوسِ, فضلًا عمَّن أدْركَ الإسلامَ. حتَّى أنه حينَ شقَّ عليهِ التماسُ العُذر المُنجي للحُطيئةِ والخنساءِ, جعلهم على أطراف الجنّة. فهما في نَزْرٍ منَ النَعيم, لكنَّهما من أهله.
رحمةُ أبي العلاء في الآخرة جاءتْ على غيرِ منوالِ ما عُهِد عنهُ من سوء ظنِّهِ بمعشرِ الشعراء في الدُّنيا, أليسَ هو القائلُ:
أُمَمًا شَعَرتُ بأنَّها لا تَقْتَني خَيرًا وإنَّ شِرارَها شُعَراؤها
ولا يَبْعُدُ ذلكَ عن رأيهِ في النّاسِ كافَّةً:
جُرْ يا غُرابُ وأفْسِدْ لَنْ تَرى أحدًا إلَّا مُسيئًا وأيُّ الخَلْقِ لَمْ يَـجُــر
وَمَنْ أتاهُمْ بِظُلمٍ فَهْوَ عِنْدَهُمُ كَجَالِبِ التَّمْرِعنْ جَهْلٍ إلى هَجَرِ
كَمْ أودُّ أَنْ أَسْلُك سبيلَ “إمامي” المعرِّيِّ مع بشَّارعوَّاد معروف منَ الرحمةِ, فأُنجِيَهُ في آخرةِ خيالي, كما أنجى هُوَ الحُطَيْئَةَ والنَّابغةَ, غير أنَّ الأمرَ هنا مُتَعلِقٌ بِطَرفٍ آخرَ يحولُ بيني وبين أبي العلاء, مُتَعلِّقٌ بمن لا أمْلكُ نَفسي عندَه, ولا يحولُ بيني وبينهَ أَحَد.
هل أتركُ حُكْمَه للَّهِ أسْوَةً بسَمِيِّهِ بشّار؟ أم أُذيقُهُ نعيمَ أطرافِ الجنَّةِ؛ كي يظلَّ مُعذبًا بالتَّوقِ إلى ما لم يجدْ منها؟

.

.

بقلم : حبيب العيد – المملكة العربية السعودية

.

.

spot_imgspot_img