أنهآر – متابعات :
ضمن مسيرة مسابقاتها الممتدة على مدى نحو نصف قرن، واصلت دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع احتفالها بالمتميزين من المبدعين الشباب، فأصدرت أخيراً الديوان الفائز بالجائزة الثالثة في مسابقة الشعر السنوية ضمن مسابقات سعاد الصباح للإبداع الأدبي دورة 2003- 2004، وجاء الديون بعنوان “أن أصير مكعب ثلج” للشاعر المصري محمد إسماعيل سويلم.
يمثل هذا الديوان إضافة مميزة للمشهد الشعري المعاصر، حيث يغوص في أعماق النفس البشرية ويكشف عن توتراتها وقلقها، كما يتميز بلغته المكثفة وعباراته التي تحيل إلى حالة من القلق العميق والأسئلة الوجودية التي لا تنتهي.
أفق مسدود
يُظهر سويلم في ديوانه هذا ضيقًا شديدًا من الواقع الراهن، الذي يراه مثقلًا بالخسارات والأحزان. تتجلى هذه الحالة من خلال نصوصه التي تعكس شعورًا بالعبث واليأس، لكنها لا تخلو في الوقت نفسه من بصيص أمل خافت، ويعد الديوان بمجمله رحلة داخلية، حيث يسعى الشاعر إلى فهم العالم من حوله والبحث عن معنى في ظل الفوضى:
“ضبابٌ
وأفْقٌ أسودٌ وهياكلٌ
وموتى وريحٌ عاقرٌ
ومفاوزُ!
وموتٌ بأعلى التلِّ
يجلسُ وحدَهُ
ويضحكُ، مِلْءَ الوهمِ، أو يتغامزُ!”
يغلب على “أن أصير مكعب ثلج” أسلوب الشعر الحديث، الذي يمنح الشاعر مساحة واسعة للتعبير عن أفكاره ومشاعره، ومع ذلك، يبرز سويلم مهارته في استثمار طاقة (التفعيلة)، فينوّع، ويبدّل، ولكنه يحافظ على الإيقاع والقافية ويضفي عليهما روحًا عصرية، مما يجعل قصائده تجمع بين جماليات الماضي، وحداثة الحاضر المفعم بالغربة الروحية:
“هل كنتُ صبّارةً يومًا
لأعصرني نهرًا من الجوعِ
يجري في فمِ الأمدِ!
أم كان وجهي سرابًا
بتُّ أتبعُهُ
منذُ ابتكرتُ سراباتي
ولم أعُدِ”.
يعد ديوان “أن أصير مكعب ثلج” شهادة على قدرة الشعر على التعبير عن تعقيدات الحياة المعاصرة، فهو ديوان يحاكي القلق الذي يعيشه الكثيرون، ويقدم أسئلة بدلاً من إجابات، مما يجعله عملًا يستفز الفكر ويحرض على التأمل، ولكنه مع ذلك يقف خاشعاً أمام الحب، وأمام الأنثى ببهائها وكامل رونقها:
“هي شيءٌ من فتنةٍ
كلما سارت
على الريحِ أنجبتْ وترا
ولها كلّ ما تريدُ وما لا..
وترى ما تحتاجُهُ لترى!”.
قلق وجودي
حول هذا الديوان، قالت الدكتورة سعاد الصباح في معرض تقديمها له: “يطلّ ديوان (أن أصير مكعب ثلج) للشاعر محمد إسماعيل سويلم كصوتٍ شعريّ شابٍ مفعم بالقلق الوجودي والبحث عن المعنى في صحراء قاسية من الأسئلة. قصائده تنسج صوراً متوترة بين العدم والامتلاء، بين الخسارة والأمل، بين وهج الطفولة وظلال الموت. في نصوصه نجد الريح والطفل والهوية والليل، كرموز تتناوب على تشكيل عالم داخلي مأزوم، لكنه مشعّ بلحظة صدق تفتح للقارئ باب التأمل.



