السبت, مارس 7, 2026

الدورات والخدمات :

spot_img

قناة التقسيم الصوتي :

spot_img

تابعنا على :

إقرأ أيضا :

ترند المواضيع :

عن تشيخوف — مقال أدبي مختصر / الكاتب الروسي : Михаил Шишкин

الكاتب الروسي : Михаил Шишкин   يقول الناقد الروسي: إنّ تشيخوف...

ملامح العمل الصحفي الأدبي

إعداد : أنهآر :   يُشكّل العمل الصحفي الأدبي مساحة...

استمرار جائزة الطيب صالح رغم توقف الفعاليات

أنهآر - متابعات : أعلن على محمد شمو، رئيس مجلس...

إعلان القائمة الطويلة لجائزة المرأة للكتب غير الروائية 2026

أنهآر - متابعات : أعلنت لجنة تحكيم جائزة المرأة للكتب...

زهير بن أبي سُلمى: حين تتحوّل الحكمة إلى موقف شعري ضد الحرب / د. فؤاد لوطة – #المغرب

في زمنٍ كانت فيه القبيلة هي العالم، والحرب هي القانون غير المكتوب، برز زهير بن أبي سُلمى بوصفه استثناءً نادرًا في المشهد الجاهلي، شاعرًا لم يُغوِه الصخب، ولم يَسْتَدرِجه الدم، بل آثر أن يجعل من الشعر مساحة للتأمل، ومن القول فعلًا أخلاقيًا، ومن الحكمة بوصلة وجود.

لم يكن زهير شاعر اندفاع أو انفعال، بل شاعر تروٍّ ومساءلة. يكتب وكأنه يُعيد ترتيب العالم لغويًا بعد أن بعثرته الحرب، ويصوغ عبارته كما تُصاغ الوصايا الأخيرة: بوعيٍ ثقيل، وبمسؤولية تتجاوز المتعة الجمالية إلى الأثر الإنساني.

يظهر شعره وكأنه نتاج ذاتٍ أرهقتها الصراعات، لا فتيٍّ مفتونٍ بالمجد الزائف. لذلك جاءت قصائده مشبعة بنبرة هادئة، تخلو من التشنج، وتفيض بوعيٍ أخلاقي يرى في الحرب عبثًا، وفي السلم ضرورة وجودية لا ترفًا سياسيًا.

إن شعر زهير، في عمقه، ليس تعبيرًا عن موقف قبلي، بل عن توازن نفسي نادر في سياق مضطرب. فالقصيدة عنده ليست صدى للعنف، بل آلية لضبطه، وكأن اللغة تتحول إلى أداة علاج، تُعيد للنفس انسجامها وسط عالم منفلت.

من هنا يمكن قراءة شعر زهير بوصفه ممارسة نفسية واعية، لا مجرد إبداع فني. إنه شاعر يُفكّر قبل أن يقول، ويُهذّب التجربة قبل أن ينطق بها، فيتحول الشعر إلى مساحة تصالح بين الداخل والخارج.

وتتجلى هذه النزعة بوضوح في حكمه الشهيرة، التي لم تُكتب لتُحفظ، بل لتُعاش. فهي لا تصدر عن ذهنية واعظة، بل عن خبرة قاسية بالحياة، خبرة علّمته أن الدهر لا يؤتمن، وأن القوة بلا عقل فناء مؤجّل.

حكمة زهير ليست معرفة نظرية، بل حصيلة عمر طويل من الاحتكاك المباشر بالواقع: الحروب، الفقد، الخيبات، وانكسارات المعنى. لذلك جاءت حكمه عامة، مفتوحة، قابلة للتداول عبر الزمن، وهو ما منح شعره طابعًا إنسانيًا يتجاوز سياقه الجاهلي.

ولعل وعيه بالزمن أحد أبرز مفاتيح فهم شعره. فقد كتب زهير من موقع الشيخوخة، لا من نشوة الشباب، فكان الزمن عنده ثِقلاً معرفيًا، لا مجرد تعاقب أيام. وهذا الوعي الزمني منح شعره عمقًا فلسفيًا نادرًا في الشعر الجاهلي.

الشيخوخة في شعر زهير ليست ضعفًا، بل أفق رؤية. فكلما تقدّم به العمر، اتسعت بصيرته، واشتد نقده للحرب، وتعمّق إيمانه بأن العقل وحده القادر على إنقاذ الإنسان من تكرار مآسيه.
لهذا بدا زهير أقرب إلى المصلح الاجتماعي منه إلى الشاعر التقليدي. فقد استعمل سلطة الشعر الرمزية لتقويض منطق الثأر، والدعوة إلى السلم، وتثمين دور العقلاء الذين يوقفون نزيف الدم بالكلمة والصلح.

قصيدته الشهيرة في مدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان ليست مجرد مدح، بل بيان أخلاقي ضد الحرب، وتكريس لقيمة الصلح باعتباره فعل شجاعة لا ضعفًا، وحكمة لا تراجعًا.
وفي هذا السياق، يتجاوز زهير وظيفة الشعر الترفيهية، ليجعله أداة وعي جماعي. فالشاعر، في نظره، ليس منشد القبيلة فقط، بل ضميرها، وحارس توازنها النفسي والأخلاقي.

أما لغته، التي وُصفت غالبًا بالبساطة، فهي بساطة واعية، لا فقرًا لغويًا. فقد اختار زهير الوضوح لأنه يؤمن بأن الفكرة القوية لا تحتاج إلى زينة زائدة، وأن المعنى العميق يبلغ غايته حين يُقال بلا التفاف.
إن وضوح عبارته، وتماسك تراكيبه، يعكسان نفسًا مستقرة نسبيًا، تبحث عن الاتزان لا عن الإدهاش. فالشعر عنده ليس استعراضًا بلاغيًا، بل خطابًا مسؤولًا موجّهًا إلى العقل الجمعي.

كما أن بناء قصيدته المتأنّي، وصياغته المحكمة، يكشفان عن شاعر يراجع قوله قبل إطلاقه، وكأن كل بيت مرّ بمصفاة عقلية صارمة قبل أن يستقر في النص.
وهنا تتجلى فرادة زهير في المشهد الجاهلي: شاعر لا يُراهن على اللحظة، بل على البقاء، ولا يكتب للقبيلة فقط، بل للإنسان بما هو إنسان.

ولذلك، لا يبدو شعره حبيس زمنه، بل صالحًا للقراءة في كل عصر يشهد اختلالًا في القيم، وهيمنة للعنف، وتراجعًا لصوت العقل.
في عالمنا المعاصر، حيث تتجدد الحروب بأسماء مختلفة، يعود زهير بوصفه صوتًا مبكرًا للعقلانية، ودعوة مفتوحة إلى إعادة التفكير في معنى القوة، وحدود العنف، وجدوى الصراع.

إن راهنية زهير لا تكمن في لغته وحدها، بل في موقفه من العالم: موقف يرى أن الإنسان لا ينتصر حين يغلب غيره، بل حين يغلب نزعاته التدميرية.
هكذا يتحول شعر زهير إلى وثيقة ثقافية ونفسية، تكشف أن الحكمة ليست نقيض الشعر، بل ذروته، وأن الكلمة الهادئة قد تكون أبلغ من الصرخة.

ولعل أعظم ما يميز زهير أنه لم يُخاصم الواقع، بل فهمه، ولم يهرب من قسوته، بل واجهها بالعقل، فكان شعره فعل مقاومة ناعمة في زمن الخشونة.
إن قراءة زهير اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل مساءلة للحاضر، ومحاولة لاستعادة دور الثقافة في تهذيب العنف، وإعادة الاعتبار للكلمة المسؤولة.
ففي زمن تسود فيه الخطابات الانفعالية، يبدو زهير شاهدًا على إمكانية التوازن، وعلى قدرة الشعر على أن يكون فعل وعي لا أداة تعبئة عمياء.

هكذا يظل زهير بن أبي سُلمى شاعر الحكمة بامتياز، لا لأنه قال كلامًا جميلًا فحسب، بل لأنه آمن بأن الشعر، حين يخلص للإنسان، يمكن أن يكون ضمير عصر بأكمله.

-فؤاد لوطة كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية.

spot_imgspot_img