السبت, مارس 7, 2026

الدورات والخدمات :

spot_img

قناة التقسيم الصوتي :

spot_img

تابعنا على :

إقرأ أيضا :

ترند المواضيع :

عن تشيخوف — مقال أدبي مختصر / الكاتب الروسي : Михаил Шишкин

الكاتب الروسي : Михаил Шишкин   يقول الناقد الروسي: إنّ تشيخوف...

ملامح العمل الصحفي الأدبي

إعداد : أنهآر :   يُشكّل العمل الصحفي الأدبي مساحة...

استمرار جائزة الطيب صالح رغم توقف الفعاليات

أنهآر - متابعات : أعلن على محمد شمو، رئيس مجلس...

إعلان القائمة الطويلة لجائزة المرأة للكتب غير الروائية 2026

أنهآر - متابعات : أعلنت لجنة تحكيم جائزة المرأة للكتب...

“جـــورج أورويــل” عميد الرواية الساخرة / بقلم : محمّد عبد الشافي القُوصِي

بقلم : محمّد عبد الشافي القُوصِـــي.

حياة التشرد والصعلكة توّجته فوق عرش الرواية الإنجليزية

مرارة الألم، وحياة التشرّد والصعلكة؛ أهّلت الكاتب الإنجليزي (جورج أُورويل George Orwell) كيْ يتربع على عرش الرواية الإنجليزية!
فقد عاش “أُورويل” حياةً غريبةً غريبة، فقد كان سعيداً جداً بملابسه الرثّة، وكان يستمتع بـإطلاق النار، وصيد السمك، ومراقبة الطيور، ومعاكسة المارة، وصنع النِّكات، وكان يُقهقه بصوت يسمعه المارة على طول الطريق! وكان يكره التعليم وينفر من الدراسة، وقد تمَّ فصله من المدرسة؛ بسبب إرساله جرذاً ميّتاً كهديّة عيد ميلاد إلى مسّاح أراضي المدينة! وكان مُدخناً شرها يلفّ سجائره بالتبغ القوي! وحبّه الأسطوري للشاي؛ دفعه إلى تأليف (كوب من الشاي الجميل). وقد طلب في وصيته ألاَّ تُكتَبَ أيّ سيرة ذاتية عنه!
تقول صحيفة أحواله الاجتماعية: لقد عاش “أُورويل” طفولته منطوياً لا يُحبّ أماكن التجمّعات، وقضى عمره بين الصعلكة والتشرد، مع أنَّ جدّه كان من رجال الدولة الأثرياء! وبالرغم من أنه كان عضواً في كنيسة بإنجلترا، وكان جده من رجال الدين؛ إلاَّ أنه وجد الكنيسة تتسم بالأنانية وأنها طبقية لنبلاء الأرض وتأثيرها على العامة فاسد! وقبل موته كتب مقالاً بعنوان “هذه وتلك مكان الفرحة”، مُعرباً عن كراهيته للمدرسة، مع أنه نشأ في أسرة مليئة بالنشاطات الاجتماعية والاهتمامات الفنية -كما تروي أمه في يومياتها التي سجَّلتها قبل وفاتها! ومع أنه ولِد بالهند، وسافر إليها بعد ذلك مختاراً ليعمل ضابطاً، وعاش فيها أجمل أيام عمره، إلاَّ أنها كانت عقدة حياته، وظلَّ يَسخر منها ويلعنها أثناء عمله بإذاعة الـــ( BBC) حتى عرَّض نفسه للمخاطر! لمْ يكن يملك المبلغ الذي يُسدّد به إيجار الشقّة التي كان يستأجرها، فيتم طرده مراراً، في الوقت الذي كان فيه موهوباً إلى حد العبقرية، فقد تعلم الهندية، ودرس الفرنسية، وأتقن الروسية والإسبانية، فضلاً عن لغته الإنجليزية، حتى إنَّ أساتذته كانوا مقدّرين لمواهبه اللغوية، وكان يكتب الشِّعر، وجاء في المرتبة الثانية في جائزة هارو للتاريخ، وأشاد المسئولون بعمله وحصل على منحة دراسية في كليتي ولنجتون وأيتون!! وبالرغم من أنه أكثر مَن جاءته مِنح دراسية في جامعات إنجلترا، إلاَّ أنه لم يكمل تعليمه الجامعي! واختار الالتحاق بسلك شرطة الإمبراطورية الهندية! وهناك شعر بتأنيب الضمير تجاه دوره في العمل لصالح الإمبراطورية الهندية، وكتب رسالةً يشرح فيها شعوره بالذنب! فقرر الاستقالة من وظيفته الشرطية ليصبح كاتباً، وقد استفاد من خبراته في كتابة رواية (أيام بورماBurmese Days )، و”إطلاق النار على فيل” التي تناول فيها خبراته في فترة الخدمة الاستعمارية هناك! وبعدها بعام واحدد أصدر كتابه (الطريق إلى ويجن بير The Road To Wigan Pier) الذي تسبّب في وضعه تحت مراقبة الفرع الخاص للشؤون الأمنية لمدة 12 سنة، ففيه وصْف مثير لمشاعر حياة العمال في مناجم الفحم، وانتقادات لبعض الجماعات اليسارية!
نعم؛ إنه أحد النفوس التي اكتوت بنار الألم، ومرارة الإغتراب، وقد سلَّط قلمه بوابلٍ من السخرية والنقد اللاذع على مَن حوله من إنسانٍ وحيوان وجماد … فأعماله قائمة أصلاً على السخرية الشديدة من الواقع الذي يتمرغ فيه الناس في ظل الحروب الاستعمارية، والفلسفات الخادعة، والشعارات الكاذبة، والدعاية المغرضة!
لذا؛ وصفته صحيفة (الدايلي ميل Daily Mail‎‏): بأنّ “لديه خبرة لا مثيل لها، وأنّ مشواره الكتابي أشبه بنضال مسلَّح، فقد واجه الفقر والذل، وكتب عن الحلو والمر في الأحياء الفقيرة، وأهم ما يمتاز به أنه حوّل التجربة إلى روائع خالدة”. وقال عنه واتنسبجراستيتد: “كتابة أورويل تفضح النفاق الفكري أينما وجِد”.
لقد كانت حياته أشبه ما تكون بمسرحية مليئة بالمتناقضات، تعكسها حكاية مأثورة عنه: إذْ رأوه واقفاً رأساً على عقب، مستنداً على رأسه في الحقل! ولمَّا سُئل عن ذلك؟ قال: يمكنك ملاحظة الكثير من الأمور حينما تقف رأساً على عقب أكثر ممّا لوْ كنتَ واقفاً بشكل طبيعي!
مَن هو جــــورج أورويل؟
(إريك آرثر بلير Eric Arthur Blair) الاسم الحقيقي لــــ”جورج أُورويل” الذي عاش في الفترة (1903م- 1950م) واشتهر بالصراحة، والنبوغ، والذكاء، وخفّة الدم، ودفاعه عن العدالة الاجتماعية، ومعارضة الحكم الشمولي، وإيمانه بالديمقراطية. وقد احترف العمل الصحفي، وتألَّق في السرد الروائي، كما كتب في النقد الأدبي، والشِّعر الخيالي، والصحافة الجدلية. لكن أكثر شيء عرف به هو روايته المجازية (مزرعة الحيوان) عام 1945م، ثمَّ رائعته الديستوبية (رواية 1984) التي فرغ منها عام 1949م وقد بيعت نسخها أكثر من أيّ عمل آخر في هذا العصر.
لذا؛ فقد اختارته صحيفة “التايمز” في المرتبة الثانية بقائمة “أعظم 50 كاتباً بريطانياً منذ عام 1945م”. ولا يزال تأثير أعماله على الثقافة السياسية السائدة، ومصطلح “أورويلية” الذي يصف ممارسات الحكم الاستبدادي والشمولي دخل في الثقافة الشعبية مثل ألفاظ عديدة أخرى من ابتكاره، مثل: الأخ الأكبر، التفكير المزدوج، الحرب الباردة، وجريمة الفكر، وشرطة الفكر.
وقد تنوعت أعماله ما بين الرواية، والنقد، والكتابة السياسية، والموضوعات الاجتماعية، والسيرة الذاتية، حتى جاوزت ثمانين كتاباً، لعلَّ أكثرها انتشاراً: (مزرعة الحيوان، ألف وتسعمائة وأربعاً وثمانين، ابنة القسيس، الحنين إلى كتالونيا، الطريق إلى رصيف ويجان، السقوط والتشرد في باريس ولندن، أيام بورما، الخروج إلى المُتَنفس). وقد تبوأتْ أعماله مكانها اللائق في مناهج الأدب الدراسية في إنجلترا، فمثلاً مزرعة الحيوان قررتْ للتعليم الثانوي، واروايته [1984] قررتْ لمن هو تحت مستوى التعليم الجامعي.
في عام 1927 عاد “أُورويل” إلى لندن، فلم يجد له مسكناً، فتوجه إلى باريس، التي كانت مغرية للكتَّاب الطامحين من حيث أسعار المعيشة وحياتها البوهيمية، فأخذ يكتب الرويات، وفي مقدمتها “أيام بورما”، فلم يشعر بأيّ نجاح، فاحترف الكتابة السياسية في الصحف، فحقّق نجاحاً كبيراً، وقد كان أول مقال له بعنوان “الرقابة في انجلترا” المنشور بتاريخ 6 أكتوبر 1928م بمجلة (لوموند) السياسية الأدبية. ثمَّ أعقبها بثلاث مقالات بعنوان (البطالة، ويوم في حياة متشرد، ومتسوّلي لندن) فقد كان موضوع الفقر هو موضوعه الذي يكتب عنه دائما بهوس، وفي أيّ مكان يعمل فيه، وقد تمثَّل ذلك في بطلة رواية (ابنة القسيس A Clergyman’s Daughter) فقد سخر بمرارة بالغة من المجتمع الطبقي الانجليزي وتقاليده ومن الكنيسة وتعاليمها، وكذلك في رواية (الحنين إلى كاتالونيا Homage To Catalonia‏).
وفي فبراير 1929 أُصيب “أُورويل” بمرض شديد، نُقِل على إثره إلى مستشفى كوشين -وهو مستشفى مجاني لتدريب طلبة الطب- ولعلَّ تجربته هناك كانت المرجع لعمله الشهير (كيف يموت الفقراء؟) الذي قرر عدم ذِكر اسم المستشفى، وتعمّد كذلك التضليل حول موقعها. وبعدها بفترة قصيرة سُرِقَ كل ماله من مسكنه، عمل بعدها في وظائف متعددة كمعاون سائق، ومساعد بائع في “ركن محبي المكتب” في مكتبة الكتب المستعملة، وغسيل أطباق المطبخ بفندق في ديو دي ريفولي، والذي وصفه لاحقاً في كتابه (السقوط والتشرد في باريس ولندن) الذي أعرب عن رغبته في نشره باسم مستعار لتجنّب أيّ حرج لأسرته، وذلك لقضاء عمره في الرواية كمتسكّع! وقد عرض على الناشر بعض الأسماء المستعارة ليختار منها ما يشاء، من ضمنها: (برتون، ومايلز كينيث، وجورج أورويل، واتش لويس الويس) فاعتمد أخيراً على الاسم الحركي “جورج أورويل” وهو مستوحى من نهر أورويل!
روايــة “مزرعــــة الحيــــوان”
في مارس من عام 1943م؛ بدأ “أورويل” في كتابة مقالات بانتظام لمجلة لتريبيون الأسبوعية اليسارية التي كانت تابعة لحزب العمّال البريطاني، وفي الوقت ذاته شرع في كتابة (مزرعة الحيوان Animal Farm) التي اعتقد بأنها “لن تكون على ما يرام سياسيا”؛ لأنها تكشف عن الانحدار الذي طال الاتحاد السوفيتي عقب الثورة الروسية وصعود الستالينيّة، سيّما بعدما اقتنع منذ بداية الأربعينيات بأنّ ما يجري في الاتحاد السوفيتي لا علاقة له بالاشتراكية ولا بالديمقراطية، بلْ إنّ المنظومة الستالينية لا تختلف نوعياً وجوهرياً عمّا عرفته أوروبا من تجارب حكم دكتاتورية، انتهت بنهاية الحرب العالمية الثانية.
هذا؛ وقد برّر “أُورويل” تلك الرواية الشهيرة (مزرعة الحيوان) بقوله: «خلال السنوات العشر الأخيرة أصبحتُ على قناعة تامّة بأنَّ نزع القناع الواقي عن خرافة السوفييت أمر ضروري إنْ كنّا نريد حقاً إعادة الحياة إلى الحركة الاشتراكية”. ويقول –أيضاً-: “لدى عودتي من إسبانيا، وجدتُ أنَّ بإمكاني اكشاف حقيقة الخرافة السوفيتية الستالينية في قصة يمكن لأيّ امرئ أن يفهمها بسهولة … كما يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى. غير أنّ التفاصيل ظلت عصيّة عن الوصول إليَّ حتى شاهدتُ ذات يوم في قرية صغيرة كنتُ أعيش فيها، صبيّا يسوطُ جواده بعنف في طريق ضيّقة يبتغي المرور بها. على الفور واتتني الفكرة: لوْ كانت هذه الحيوانات واعية بقوّتها لمَا كان بإمكاننا أن نتسلّط عليها”.
(مزرعة الحيوانات) التي حازت على جائزة نوبل؛ هي قصة الثورة الروسية ومآلاتها، لكن في عالم الحيوان وليس البشر، إذْ تصبح فيها الانحرافات الستالينية ضرباً من الانتصار للغرائز الأصلية لسلبيات الأنانية والتجبّر والحكم المطلق وقانون الغاب مع التبرير لذلك بقيَم الثورة التي أنجزتها الحيوانات في البداية، والتي لم تفلح سوى في جعلهم يعودون إلى الأوضاع التي ثاروا ضدّها، والتي اتخذت أشكالا جديدة … وقد لاقت “مزرعة الحيوان” ترحيباً واسعاً من مختلف الناشرين، وعلى رأسهم: ت. س. إليوت، وجوناثان، وغيرهم.
(رائعــــة 1984)
(رواية 1984) والتي تُعرف بالصاعقة، من أهم أعمال “أورويل” على الإطلاق، فهي التي حقّقت له تلك الشهرة العالمية، بلْ إنَّ البعض يذهب إلى أنها أفضل رواية أوربية منذ وقتها وإلى الآن، وقد تُرجمتْ إلى أكثر من 70 لغة عالمية! إذْ تتحدث عن الحياة في ظل الحكم الشمولي، وقد حظيت على جائزة برومثيوس للآداب،، ونظراً لخطورتها السياسية؛ فقد تمَّ مصادرتها، ومنعها في الدول الواقعة تحت قبضة الأنظمة الشمولية، كروسيا، وبلغاريا، وكوريا، والصين، ورومانيا، وكثير من دول أوربا الشرقية، وأغلب الدول العربية. وغالباً ما تقارن برواية “شجعان العالَم الجديد” لألدوس هكسلي. وكلا الروايتيْن يتشابهان من حيث الدولة التي تمارس قوتها وسيطرتها الكاملة على الحياة الاجتماعية!
المدرســــة الأُروليــــة
في العقد الأخير من حياته؛ كان “أورويل” يقرأ كتاباً جديداً كل يوم، ومن الأدباء الذين أُعجِبَ بهم: (مارك توين، روديار كبلنغ، رالف واردو ايمرسون، تشيرترتون، جسون جورج غراهام غرين، هرمان ملفل هنري ميلر، توبياس سمولت، وجوزيف كونراد ويفغيني زامرتيان).
وإذا أردنا أن ننصف “أورويل” فإننا نقول: إنه كان شغوفاً بإثارة الجدل؛ حتى أطلقَ عليه النقّاد: “زعيم مدرسة الجدل السياسي”! فمع أنه تقليدي ومُحب للقيَم الإنجليزية القديمة، لكنه انتقد الأوساط الاجتماعية المختلفة التي ينتمي إليها: الحياة القروية البسيطة “لابنة القسيس”، طموح الطبقة المتوسطة في “اسبيدسترا فلاينق”، والمدارس الإعدادية والتي هي مصدر للأفراح، والاستعمارية في “أيام بورما”، وبعض الجماعات الاشتراكية في “الطريق إلى ديجان بير”. وقد كان البُعد الحاسم الآخر لاشتراكية أرويل هو اعترافه بأنّ الاتحاد السوفيتي لم يكن اشتراكياً، بعدما اكتشف الرعب الشديد لحكم الستالينية، ليتخلى بذلك أرويل عن الاتحاد السوفيتي، ويصبح هو أكثر التزاماً بقضية الاشتراكية أكثر من أيّ وقت مضى.
هذا؛ ويُعدّ “أورويل” أبرع مَن أمسك بناصية الفن، وساسه بمهارة فائقة، بسبب ذائقته اللغوية العالية، وحسّه الإبداعي المرهف، حتى أصبح صاحب مدرسة مستقلة في الأسلوب (المدرسة الأُورولية)! ففي مقالة كتبها بعنوان: “السياسة واللغة الإنجليزية” أكدَّ فيها على أهمية الوضوح اللغوي، بحجّة أنه يمكن استخدام الكتابة كأداة للتلاعب السياسي؛ لأنها تحاكي أنماط التفكير لدينا فنتقبلها … وقد ختم مقالته بعدة نصائح، منها:
لا تستخدم أبدًا الاستعارة أوْ التشبيه أوْ أيّ صيغة بلاغية أخرى اعتدتَ عليها.
لا تستخدم أبدًا كلمات طويلة إنْ أمكنك استخدام أخرى قصيرة لها ذات المعنى.
إذا أمكنك الاستغناء عن كلمة من النص، افعل ذلك على الفور.
لا تستخدم أبدًا صيغة المبني للمجهول، إنْ أمكنك استخدام المبني للمعلوم.
لا تستخدم أبدًا كلمة أجنبية أوْ عامية أوْ كلمة ذات رطانة، إنْ أمكنك التفكير بكلمة نظيرة لها.
الحقّ الحقَّ أقول: “أُورويل” أبرع أديب إنجليزي بعد شكسبير، وجون ميلتون، وأفضل كاتب بعد هازلت، وجونسون .. ولوْ كره اليساريّون والشيوعيّون!.

.

بقلم : محمّد عبد الشافي القُوصِـــي

spot_imgspot_img